وأبو هريرة ، وجابر ، مع أشباه لهم ، يفتون بالمدينة ، ويحدثون عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم من لدن توفي عثمان إلى أن توفوا ( 1 ) .
قال : وهؤلاء الخمسة ، إليهم صارت الفتوى .
الشافعي : أخبرنا مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن بكير بن الأشج ،
عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري : أنه كان جالسا مع ابن الزبير ، فجاء
محمد بن إياس بن البكير ، فسأل عن رجل طلق ثلاثا قبل الدخول . فبعثه
إلى أبي هريرة ، وابن عباس - وكانا عند عائشة - فذهب ، فسألهما .
فقال ابن عباس لأبي هريرة : أفته يا أبا هريرة ; فقد جاءتك معضلة .
فقال : الواحدة تبينها ، والثلاث تحرمها . وقال ابن عباس مثله ( 2 ) .
وقد كان أبو هريرة يجلس إلى حجرة عائشة ، فيحدث ، ثم يقول : يا
صاحبة الحجرة ، أتنكرين مما أقول شيئا ؟
فلما قضت صلاتها ، لم تنكر ما رواه ; لكن قالت : لم يكن رسول الله
صلى الله عليه وسلم يسرد الحديث سردكم ( 3 ) .
هامش
( 1 ) طبقات ابن سعد 2 / 372 .
( 2 ) إسناده صحيح ، وهو في " مسند الشافعي " 2 / 375 ، و " الموطأ " ( 1198 ) .
( 3 ) أخرجه مسلم ( 2493 ) في فضائل الصحابة من طريق ابن شهاب أن عروة بن الزبير حدثه
أن عائشة قالت : ألا يعجبك أبو هريرة جاء فجلس إلى جنب حجرتي يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم يسمعني
ذلك ، وكنت أسبح ( أصلي نافلة ) فقام قبل أن أقضي سبحتي ، ولو أدركته لرددت عليه ، إن
رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم . وأخرجه أبو داود ( 3655 ) ، واختصره الترمذي
( 3643 ) ، وفي البخاري 6 / 422 في المناقب : وقال الليث : حدثني يونس ، عن ابن شهاب أنه
قال : أخبرني عروة بن الزبير ، عن عائشة أنها قالت : ألا يعجبك أبا فلان جاء فجلس إلى جانب
حجري . . . وقول عائشة : ولو أدركته لرددت عليه ، أي : لأنكرت عليه ، وبينت له أن
الترتيل في الحديث أولى من السرد . قال الحافظ : واعتذر عن أبي هريرة بأنه كان واسع الرواية ،
كثير المحفوظ ، فكان لا يتمكن من المهل عند إرادة التحديث ، كما قال بعض البلغاء : أريد أن
اقتصر ، فتزدحم القوافي على في . وانظر " تاريخ ابن عساكر " 19 / 119 / 2 .