ظنك بالاكثار من رواية الغرائب والمناكير في زماننا مع طول الأسانيد ، وكثرة
الوهم والغلط ، فبالحري أن نزجر القوم عنه ; فيا ليتهم يقتصرون على رواية
الغريب والضعيف ، بل يروون والله الموضوعات والأباطيل ،
والمستحيل في الأصول والفروع ، والملاحم والزهد ; نسأل الله العافية .
فمن روى ذلك مع علمه ببطلانه ، وغر المؤمنين ، فهذا ظالم لنفسه ،
جان على السنن والآثار ، يستتاب من ذلك ; فإن أناب وأقصر ، وإلا فهو
فاسق ; كفى به إثما أن يحدث بكل ما سمع . وإن هو لم يعلم ، فليتورع ،
وليستعن بمن يعينه على تنقية مروياته ( 1 ) . نسأل الله العافية ; فلقد عم
البلاء ، وشملت الغفلة ، ودخل الداخل على المحدثين الذين يركن إليهم
المسلمون ; فلا عتبى على الفقهاء وأهل الكلام .
قال محمد بن يحيى الذهلي : حدثنا محمد بن عيسى : أخبرنا يزيد بن
يوسف ، عن صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي
هريرة ، قال : ما كنا نستطيع أن نقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ; حتى قبض عمر
هامش
( 1 ) قال محدث الديار الشامية في عصره العلامة الشيخ بدر الدين الحسني رحمه الله ورضي
عنه فيما نقله عنه الشيخ العلامة محمود ياسين في مجلة الهداية الاسلامية 8 / 264 : لا يجوز
إسناد حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إذا نص على صحة هذا الحديث حافظ من الحفاظ المعروفين ،
فمن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو لا يعلم صحة ذلك من طريق أحد الحفاظ يوشك أن يصدق
عليه حديث : " من قال علي ما لم أقل ، فليتبوأ مقعده من النار " ، فليحذر الخطباء والكتاب
والمدرسون والوعاظ من إسناد حديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يعلموا صحته من طريق حافظ مشهور
من حفاظ الحديث ، وعليهم إذا لم يعلموا ذلك أن يذكروا الحديث معزوا إلى الكتاب الذي نقلوا
منه ، كالترمذي ، والنسائي مثلا ، وبذلك يخرجون من العهدة ، أما الذين يحملون بأيديهم
الكتب التي لا قيمة لها عند علماء الحديث الشريف ككثير من كتب الأخلاق والوعظ المنتشرة
بالأيدي ، فلا يكفي عزو الحديث إليها ، ولا يخرج القارئ من الوزر .