قرأت على ابن عساكر ، عن أبي روح : أخبرنا محمد بن إسماعيل :
أخبرنا أبو مضر محلم بن إسماعيل : أخبرنا الخليل بن أحمد : حدثنا
السراج : حدثنا قتيبة : حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن عمرو بن أبي
عمرو ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، قلت : يا رسول الله ، من أسعد
الناس بشفاعتك ؟ قال : " لقد ظننت يا أبا هريرة لا يسألني عن هذا الحديث
أحد أول منك ، لما رأيت من حرصك على الحديث : إن أسعد الناس
بشفاعتي يوم القيامة من قال : لا إله إلا الله خالصا من نفسه ( 1 ) " .
أبو الأحوص ، عن زيد العمي ، عن أبي الصديق ، عن أبي سعيد
الخدري : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أبو هريرة وعاء من العلم " ( 2 ) .
ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، قال : حفظت من رسول
الله صلى الله عليه وسلم وعاءين : فأما أحدهما ، فبثثته في الناس ; وأما الآخر ، فلو بثثته ،
لقطع هذا البلعوم ( 3 ) .
هامش
( 1 ) إسناده صحيح ، وأخرجه أحمد 2 / 373 ، والبخاري 1 / 173 في العلم : باب الحرص
على الحديث و 11 / 385 في الرقاق من طريق عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب ، عن سعيد
المقبري ، عن أبي هريرة ، وهو في " طبقات ابن سعد " 4 / 330 ، و " تاريخ دمشق " لابن
عساكر 19 / 115 / 2 وقوله " خالصا " قال الحافظ : احتراز من المنافق ومعنى " أفعل " في قوله :
" أسعد " الفعل لا أنها أفعل التفضيل ، أي : سعيد الناس ، كقوله تعالى : * ( وأحسن مقيلا ) * .
ويحتمل أن يكون أفعل التفضيل على بابها وأن كل أحد يحصل له سعد بشفاعته ، لكن المؤمن
المخلص أكثر سعادة بها ، فإنه صلى الله عليه وسلم يشفع في الخلق لأراحتهم من هول الموقف ، ويشفع في بعض
الكفار بتخفيف العذاب كما صح في حق أبي طالب ، ويشفع في بعض المؤمنين بالخروج من النار
بعد أن دخلوها ، وفي بعضهم بعدم دخولها بعد أن استوجبوا دخولها ، وفي بعضهم بدخول الجنة
بغير حساب ، وفي بعضهم برفع الدرجات فيها ، فظن الاشتراك في السعادة بالشفاعة ، وأن
أسعدهم بها المؤمن المخلص .
( 2 ) أخرجه الحاكم في " المستدرك " وزيد العمي ضعيف .
( 3 ) أخرجه البخاري 1 / 192 ، 193 في العلم : باب حفظ العلم من طريق إسماعيل بن أبي
أويس ، عن أبي بكر عبد الحميد ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة . وهو
في " تاريخ دمشق " 19 / 16 / 1 . وقد حمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها
تبيين أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم . وقد كان أبو هريرة يكني عن بعضه ، ولا يصرح به خوفا على
نفسه منهم ، كقوله : أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان ، يشير إلى خلافة يزيد بن
معاوية ، لأنها كانت سنة ستين من الهجرة ، واستجاب الله دعاء أبي هريرة ، فمات قبلها بسنة .
وقال ابن المنير : جعل بعضهم هذا الحديث ذريعة إلى تصحيح باطلهم حيث اعتقدوا أن للشريعة
ظاهرا وباطنا ، وذلك الباطل ، إنما حاصله الانحلال من الدين ، وإنما أراد أبو هريرة بقوله :
قطع ، أي : قطع أهل الجور رأسه إذا سمعوا عيبه لفعلهم ، وتضليله لسعيهم ، ويؤيد ذلك أن
الأحاديث المكتومة لو كانت من الأحكام الشرعية ما وسعه كتمانها .