وقد ساح النوري إلى الشام ، وأخذ عن أحمد بن أبي الحواري ، وقد
جرت له محنة ، وفر عن بغداد في قيام غلام خليل على الصوفية ، فأقام بالرقة
مدة متخليا منعزلا . حكى ذلك أبو سعيد بن الأعرابي ، قال : ثم عاد إلى
بغداد وقد فقد جلاسه وأناسه وأشكاله ، فانقبض لضعف قوته ، وضعف بصره .
وقال أبو نعيم : سمعت عمر البناء [ البغدادي ] بمكة يحكي محنة غلام
خليل ، قال : نسبوا الصوفية إلى الزندقة ، فأمر الخليفة المعتمد في سنة أربع
وستين ومئتين بالقبض عليهم ، فأخذ في جملتهم النوري ، فأدخلوا على
الخليفة ، فأمر بضرب أعناقهم ، فبادر النوري إلى السياف ، فقيل له في
ذلك ، فقال : آثرت حياتهم على نفسي ساعة ، فتوقف السياف [ عن قتله ،
ورفع أمره إلى الخليفة ] ، فرد الخليفة أمرهم إلى قاضي القضاة إسماعيل بن
إسحاق ، فسأل أبا الحسين النوري عن مسائل في العبادات ، فأجاب ، ثم
قال : وبعد هذا ، فلله عباد ينطقون بالله ، ويأكلون بالله ، ويسمعون بالله ،
فبكى إسماعيل القاضي ، وقال : إن كان هؤلاء القوم زنادقة ، فليس في
الأرض موحد . فأطلقوهم ( 1 )
أبو نعيم ( 2 ) ، سمعت أبا الفرج الورثاني ، سمعت علي بن عبد الرحيم
يقول : دخلت على النوري ، فرأيت رجليه منتفختين ، فسألته [ عن أمره ]
فقال : طالبتني نفسي بأكل تمر ، فدافعتها ، فأبت [ علي ] فاشتريته ، فلما
أكلت ، قلت : فومي فصلي ، فأبت ، فقلت : لله علي إن قعدت على الأرض
أربعين يوما ، فما قعدت يعني إلا في صلاة .
هامش
( 1 ) الخبر مطولا في " حلية الأولياء " 10 / 250 251 ، و " تاريخ بغداد " 5 / 134 وما
بين حاصرتين منهما .
( 2 ) في " الحلية " 10 / 251 .