الضيافة اجتمعنا عند بعض أهل العلم ، وجرى ذكر كلام الله : أقديم هو لم
يزل ، أو نثبت عند إخباره تعالى أنه متكلم به ؟ فوقع بيننا في ذلك خوض ، قال
جماعة منا : كلام البارئ قديم لم يزل . وقال جماعة : كلامه قديم غير أنه لا
يثبت إلا بإخباره وبكلامه . فبكرت إلى أبي علي الثقفي ، وأخبرته بما جرى
فقال : من أنكر أنه لم يزل فقد اعتقد أنه محدث . وانتشرت هذه المسألة في
البلد ، وذهب منصور الطوسي في جماعة إلى ابن خزيمة ، وأخبروه بذلك حتى
قال منصور : ألم أقل للشيخ : إن هؤلاء يعتقدون مذهب الكلابية ؟ وهذا
مذهبهم . قال : فجمع ابن خزيمة أصحابه وقال : ألم أنهكم غير مرة عن
الخوض في الكلام ؟ . ولم يزدهم على هذا ذلك اليوم .
قال الحاكم : وحدثني عبد الله بن إسحاق الأنماطي المتكلم قال :
لم يزل الطوسي بأبي بكر بن خزيمة حتى جرأه على أصحابه ، وكان أبو بكر
ابن إسحاق وأبو بكر بن أبي عثمان يردان على أبي بكر ما يمليه ، ويحضران
مجلس أبي علي الثقفي ، فيقرؤون ذلك على الملا ، حتى استحكمت
الوحشة . سمعت أبا سعد عبد الرحمن بن أحمد المقرئ ، سمعت ابن
خزيمة يقول : القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله غير مخلوق ، ومن قال :
شئ منه مخلوق . أو يقول : إن القرآن محدث ، فهو جهمي ، ومن نظر
في كتبي ، بان له أن الكلابية لعنهم الله كذبة فيما يحكون عني بما هو
خلاف أصلي وديانتي ، قد عرف أهل الشرق والغرب أنه لم يصنف أحد
في التوحيد والقدر وأصول العلم مثل تصنيفي ، وقد صح عندي أن
هؤلاء الثقفي ، والصبغي ، ويحيى بن منصور كذبة ، قد كذبوا علي في
حياتي ، فمحرم على كل مقتبس علم أن يقبل منهم شيئا يحكونه عني ،
وابن أبي عثمان أكذبهم عندي ، وأقولهم علي ما لم أقله .
سير أعلام النبلاء — صفحة 379
مساهمون: الذهبي
ص٣٧٩