أقول به . فسألته أن يكتب عليه خطه أن ذلك مذهبه ، فكتب آخر تلك
الأحرف ، فقلت لأبي عمرو الحيري : احتفظ أنت بهذا الخط حتى ينقطع
الكلام ، ولا يتهم واحد منا بالزيادة فيه . ثم تفرقنا ، فما كان بأسرع من أن
قصده أبو فلان وفلان وقالا : إن الأستاذ لم يتأمل ما كتب في ذلك الخط ،
وقد غدروا بك وغيروا صورة الحال . فقبل منهم ، فبعث إلى أبي عمرو
الحيري لاسترجاع خطه منه ، فامتنع عليه أبو عمرو ، ولم يرده حتى مات
ابن خزيمة ، وقد أوصيت أن يدفن معي ، فأحاجه بين يدي الله تعالى فيه
وهو : القرآن كلام الله تعالى ، وصفة من صفات ذاته ، ليس شئ من
كلامه مخلوق ، ولا مفعول ، ولا محدث ، فمن زعم أن شيئا منه مخلوق أو
محدث ، أو زعم أن الكلام من صفة الفعل ، فهو جهمي ضال مبتدع ،
وأقول : لم يزل الله متكلما ، والكلام له صفة ذات ، ومن زعم أن الله لم
يتكلم إلا مرة ، ولم يتكلم إلا ما تكلم به ، ثم انقضى كلامه ، كفر بالله ،
وأنه ينزل تعالى إلى سماء الدنيا فيقول : " هل من داع فأجيبه " ( 1 ) . فمن
زعم أن علمه تنزل أوامره ، ضل ، ويكلم عباده بلا كيف ( الرحمن على
العرش استوى ) [ طه : 5 ] لا كما قالت الجهمية ( 2 ) : إنه على الملك
احتوى ، ولا استولى . وإن الله يخاطب عباده عودا وبدءا ، ويعيد عليهم
قصصه وأمره ونهيه ، ومن زعم غير ذلك ، فهو ضال مبتدع . وساق سائر
الاعتقاد .
قلت : كان أبو بكر الصبغي هذا عالم وقته ، وكبير الشافعية
هامش
( 1 ) تقدم تخريج هذا الحديث في الصفحة 279 ، الحاشية رقم ( 3 ) .
( 2 ) هم أصحاب جهم بن صفوان ، تلميذ الجعد بن درهم الذي قتله خالد بن عبد الله
القسري سنة 124 ه . انظر عن هذه الفرقة ما كتبه الشهرستاني في " الملل والنحل "
1 / 86 88 .