قال أبو بكر الخطيب : كان مسلم يناضل عن البخاري ، حتى
أوحش ما بينه وبين محمد بن يحيى بسببه ( 1 ) .
قلت : ثم إن مسلما ، لحدة في خلقه ، انحرف أيضا عن
البخاري ، ولم يذكر له حديثا ، ولا سماه في " صحيحه " ، بل افتتح
الكتاب بالحط على من اشترط اللقي لمن روى عنه بصيغة " عن " ، وادعى
الاجماع في أن المعاصرة كافية ، ولا يتوقف في ذلك على العلم
بالتقائهما ، ووبخ من اشترط ذلك . وإنما يقول ذلك أبو عبد الله
البخاري ، وشيخه علي بن المديني ، وهو الأصوب الأقوى . وليس هذا
موضع بسط هذه المسألة ( 2 ) .
قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في أول " الأطراف " ( 3 ) له بعد أن
هامش
( 1 ) " تاريخ بغداد " 13 / 103 ، و " وفيات الأعيان " 5 / 194 و " تذكرة الحفاظ "
2 / 589 ، 590 و " البداية والنهاية " 11 / 34 .
( 2 ) من مرجحات " صحيح البخاري " على " صحيح مسلم " أن مسلما صرح في مقدمة
" صحيحه " أن الحديث المروي بلفظ " عن " له حكم الاتصال إذا تعاصر المعنعن والمعنعن
عنه ، وإن لم يثبت اجتماعهما . والبخاري لا يحمله على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو
مرة واحدة . وقد تكلم مسلم في مقدمة كتابه في الرواية بالعنعنة ، وأنه شرط فيها البخاري ملاقاة
الراوي لمن عنعن عنه ، وأطال في رد كلام البخاري والتهجين عليه ، ولم يصرح أنه البخاري ،
وإنما اتفق أهل العلم أنه أراده ، ورد مقالته ، ثم قال : إن كل حديث فيه : فلان عن فلان وقد
أحاط العلم بأنهما قد كانا في عصر واحد ، وجائز أن يكون الحديث الذي روى الراوي قد سمعه
منه ، وشافهه به ، غير أنا لا نعلم له منه سماعا ، ولم نجد في شئ من الروايات أنهما ؟ ؟ ؟ ؟
قط ، أو تشافها بحديث ، فالرواية ثابتة ، والحجة بها لازمة . وقال : إن هذا هو القول الشائع
المتفق عليه بين أهل العلم بالاخبار والروايات قديما وحديثا . والخلاف بين البخاري ومسلم في
الحديث المروي بلفظ " عن " فقط ، وأما ما كان بلفظ " أخبرنا " و " حدثنا " و " أنبأنا " فهو
ومسلم فيه سواء ، فإنه لا يكون إلا بالمشافهة .
( 3 ) أطراف الحافظ ابن عساكر جمع فيه أطراف الكتب الأربعة ، وهي : سنن أبي داود ،
والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة . وقد جمع أطراف " الصحيحين " من قبله الحافظان : أبو
محمد خلف بن محمد الواسطي ، وأبو مسعود إبراهيم بن محمد الدمشقي . ثم عمد الحافظ
المزي صاحب " تهذيب الكمال " إلى جمع أطراف الكتب الستة في كتاب واحد وهو غاية في
الجودة وقد طبع بتمامه في الهند واسمه " تحفة الاشراف لمعرفة الأطراف " . قال فيه صاحب
القاموس : إنه كتاب معدوم النظير ، مفعم الغدير ، يشهد لمؤلفه على اطلاع كثير ، وحفظ
كبير . اختصره الشيخ عبد الغني النابلسي في كتابه " ذخائر المواريث " . وهو مطبوع . وموضوع
كتب الأطراف أنهم يذكرون فيها حديث الصحابي مفردا كما يصنع أصحاب المسانيد إلا أنهم
لا يذكرون من الحديث إلا طرفا يعرف به ، ثم يذكرون جميع طرق الشيخين وأهل السنن الأربع
وما اشتركوا فيه من الطرق ، وما اختص به كل واحد منهم ، وإذا اشترك أهل الكتب الستة في
رواية حديث أو بعضهم ، أو انفرد به بعضهم ذكروا أين ذكر كل واحد منهم ذلك الحديث في
كتابه ، وإن ذكره أحدهم مفرقا في موضعين أو أكثر ذكروا كل واحد من الموضعين ، فيسهل
بذلك معرفة طرق الحديث والبحث عن أسانيده يكتفي الباحث بمطالعة كتاب منها عن مطالعة
جميع هذه الكتب الستة ، ويتمكن بالنظر فيها من معرفة موضع الحديث منها .