تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير أعلام النبلاء — صفحة 573

مساهمون:

ص٥٧٣
قال أبو بكر الخطيب : كان مسلم يناضل عن البخاري ، حتى أوحش ما بينه وبين محمد بن يحيى بسببه ( 1 ) . قلت : ثم إن مسلما ، لحدة في خلقه ، انحرف أيضا عن البخاري ، ولم يذكر له حديثا ، ولا سماه في " صحيحه " ، بل افتتح الكتاب بالحط على من اشترط اللقي لمن روى عنه بصيغة " عن " ، وادعى الاجماع في أن المعاصرة كافية ، ولا يتوقف في ذلك على العلم بالتقائهما ، ووبخ من اشترط ذلك . وإنما يقول ذلك أبو عبد الله البخاري ، وشيخه علي بن المديني ، وهو الأصوب الأقوى . وليس هذا موضع بسط هذه المسألة ( 2 ) . قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في أول " الأطراف " ( 3 ) له بعد أن
هامش
( 1 ) " تاريخ بغداد " 13 / 103 ، و " وفيات الأعيان " 5 / 194 و " تذكرة الحفاظ " 2 / 589 ، 590 و " البداية والنهاية " 11 / 34 . ( 2 ) من مرجحات " صحيح البخاري " على " صحيح مسلم " أن مسلما صرح في مقدمة " صحيحه " أن الحديث المروي بلفظ " عن " له حكم الاتصال إذا تعاصر المعنعن والمعنعن عنه ، وإن لم يثبت اجتماعهما . والبخاري لا يحمله على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة واحدة . وقد تكلم مسلم في مقدمة كتابه في الرواية بالعنعنة ، وأنه شرط فيها البخاري ملاقاة الراوي لمن عنعن عنه ، وأطال في رد كلام البخاري والتهجين عليه ، ولم يصرح أنه البخاري ، وإنما اتفق أهل العلم أنه أراده ، ورد مقالته ، ثم قال : إن كل حديث فيه : فلان عن فلان وقد أحاط العلم بأنهما قد كانا في عصر واحد ، وجائز أن يكون الحديث الذي روى الراوي قد سمعه منه ، وشافهه به ، غير أنا لا نعلم له منه سماعا ، ولم نجد في شئ من الروايات أنهما ؟ ؟ ؟ ؟ قط ، أو تشافها بحديث ، فالرواية ثابتة ، والحجة بها لازمة . وقال : إن هذا هو القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالاخبار والروايات قديما وحديثا . والخلاف بين البخاري ومسلم في الحديث المروي بلفظ " عن " فقط ، وأما ما كان بلفظ " أخبرنا " و " حدثنا " و " أنبأنا " فهو ومسلم فيه سواء ، فإنه لا يكون إلا بالمشافهة . ( 3 ) أطراف الحافظ ابن عساكر جمع فيه أطراف الكتب الأربعة ، وهي : سنن أبي داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة . وقد جمع أطراف " الصحيحين " من قبله الحافظان : أبو محمد خلف بن محمد الواسطي ، وأبو مسعود إبراهيم بن محمد الدمشقي . ثم عمد الحافظ المزي صاحب " تهذيب الكمال " إلى جمع أطراف الكتب الستة في كتاب واحد وهو غاية في الجودة وقد طبع بتمامه في الهند واسمه " تحفة الاشراف لمعرفة الأطراف " . قال فيه صاحب القاموس : إنه كتاب معدوم النظير ، مفعم الغدير ، يشهد لمؤلفه على اطلاع كثير ، وحفظ كبير . اختصره الشيخ عبد الغني النابلسي في كتابه " ذخائر المواريث " . وهو مطبوع . وموضوع كتب الأطراف أنهم يذكرون فيها حديث الصحابي مفردا كما يصنع أصحاب المسانيد إلا أنهم لا يذكرون من الحديث إلا طرفا يعرف به ، ثم يذكرون جميع طرق الشيخين وأهل السنن الأربع وما اشتركوا فيه من الطرق ، وما اختص به كل واحد منهم ، وإذا اشترك أهل الكتب الستة في رواية حديث أو بعضهم ، أو انفرد به بعضهم ذكروا أين ذكر كل واحد منهم ذلك الحديث في كتابه ، وإن ذكره أحدهم مفرقا في موضعين أو أكثر ذكروا كل واحد من الموضعين ، فيسهل بذلك معرفة طرق الحديث والبحث عن أسانيده يكتفي الباحث بمطالعة كتاب منها عن مطالعة جميع هذه الكتب الستة ، ويتمكن بالنظر فيها من معرفة موضع الحديث منها .
سير أعلام النبلاء — صفحة 573 | الذهبي / شعيب الأرنؤوط