قال : وكنا بفربر ، وكان أبو عبد الله يبني رباطا مما يلي بخارى ،
فاجتمع بشر كثير يعينونه على ذلك ، وكان ينقل اللبن ، فكنت أقول له : إنك
تكفى يا أبا عبد الله ، فيقول : هذا الذي ينفعنا . ثم أخذ ينقل الزنبرات ( 1 )
معه ، وكان ذبح لهم بقرة ، فلما أدركت القدور ، دعا الناس إلى الطعام ،
وكان بها مئة نفس أو أكثر ، ولم يكن علم أنه يجتمع ما اجتمع ، وكنا
أخرجنا معه من فربر خبزا بثلاثة دراهم أو أقل ، فألقينا بين أيديهم ، فأكل
جميع من حضر ، وفضلت أرغفة صالحة . وكان الخبز إذ ذاك خمسة
أمناء ( 2 ) بدرهم ( 3 ) .
قال : وكان أبو عبد الله ربما يأتي عليه النهار ، فلا يأكل فيه رقاقة ،
إنما كان يأكل أحيانا لوزتين أو ثلاثا . وكان يجتنب توابل القدور مثل
الحمص وغيره ، فقال لي يوما شبه المتفرج بصاحبه : يا أبا جعفر ، نحتاج
في السنة إلى شئ كثير ، قلت له : قدر كم ؟ قال : أحتاج في السنة إلى
أربعة آلاف درهم ، أو خمسة آلاف درهم . قال : وكان يتصدق بالكثير ،
يأخذ بيده صاحب الحاجة من أهل الحديث ، فيناوله ما بين العشرين إلى
الثلاثين ، وأقل وأكثر ، من غير أن يشعر بذلك أحد . وكان لا يفارقه كيسه .
ورأيته ناول رجلا مرارا صرة فيها ثلاث مئة درهم ، - وذلك أن الرجل أخبرني
بعدد ما كان فيها من بعد - فأراد أن يدعو ، فقال له أبو عبد الله : ارفق ،
واشتغل بحديث آخر كيلا بعلم بذلك أحد .
قال : وكنت اشتريت منزلا بتسع مئة وعشرين درهما ، فقال : لي
هامش
( 1 ) جمع زنبر ، وهو الزنبيل . فارسية معربة .
( 2 ) في " مقدمة الفتح " : أمنان ، بالنون . وكلاهما جمع ( من ) ، وهو وزن أو مكيال يسع
مئتي وسبعة وخمسين درهما .
( 3 ) " مقدمة الفتح " : 481 .