غالبا ، ويمرض ، فيبقى أيام مرضه متغير القوة الحافظة ، ويموت إلى رحمة
الله على تغيره ، ثم قبل موته بيسير يختلط ذهنه ، ويتلاشى علمه ، فإذا
قضى ، زال بالموت حفظه . فكان ماذا ؟ أفبمثل هذا يلين عالم قط ؟ ! كلا ،
والله ، ولا سيما مثل هذا الجبل في حفظه وإتقانه .
نعم ما علمنا استغربوا من حديث ابن راهويه على سعة علمه سوى
حديث واحد ، وهو حديثه عن سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عبيد الله
ابن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن ميمونة في الفأرة التي وقعت في سمن ، فزاد
إسحاق في المتن من دون سائر أصحاب سفيان هذه الكلمة " وإن كان ذائبا ،
فلا تقربوه " ( 1 ) . ولعل الخطأ فيه من بعض المتأخرين ، أو من راويه عن
إسحاق .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 9 / 576 في الذبائح والصيد : باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد
أو الذائب ، والترمذي ( 1799 ) في الأطعمة : باب ما جاء في الفأرة تموت في السمن ، وأبو داود
( 3841 ) في الأطعمة : باب في الفأرة تقع في السمن ، والنسائي 7 / 178 من طريق سفيان ،
عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، أنه سمع ابن عباس يحدثه عن ميمونة أن فأرة
وقعت في سمن ، فماتت ، فسئل النبي ، صلى الله عليه وسلم ، عنها ، فقال : " ألقوها وما حولها ، وكلوه " .
ووقع في " مسند " إسحاق بن راهويه ، ومن طريقه أخرجه ابن حبان ( 1364 ) ، بلفظ : " إن
كان جامدا ، ألقى ما حولها ، وأكله . وإن كان مائعا ، لم يقربه " . وأخرجه بهذا التفصيل عبد
الرزاق في " المصنف " رقم ( 278 ) ، وأبو داود ( 3842 ) ، وأحمد 2 / 232 ، 233 ، و 265
و 490 من طريق معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة .
قال الحافظ في " الفتح " : اختلف عن معمر فيه ، فأخرجه ابن أبي شيبة ، عن عبد الأعلى
بغير تفصيل ، ووقع عند النسائي من رواية أبي القاسم ، عن مالك وصف السمن في الحديث بأنه
جامد ، وكذا وقع عند أحمد من رواية الأوزاعي ، عن الزهري ، وكذا عند البيهقي من رواية
حجاج بن منهال ، عن ابن عيينة ، وكذا أخرجه أبو داود الطيالسي في " مسنده " عن سفيان .
والزيادة التي وقعت في رواية إسحاق بن راهويه ، عن سفيان ، تفرد بها عن سفيان دون حفاظ
أصحابه مثل أحمد والحميدي ومسدد وغيرهم ، وبينوا غلط معمر فيه على الزهري . ونقل ابن تيمية
في " الفتاوى " 21 / 488 ، 502 أن أهل المعرفة بالحديث متفقون على أن معمرا كثير الغلط على
الزهري ، وقد توسع في التدليل على ذلك . وقال في قوله : " . . فلا تقربوه " : هو متروك عند
عامة السلف والخلف من الصحابة والتابعين والأئمة ، فإن جمهورهم يجوزون الاستصباح به ،
وكثير منهم يجوز بيعه أو تطهيره ، وهذا مخالف لقوله : " . . . فلا تقربوه " . وانظر " شرح
العلل " 2 / 721 ، 723 لابن رجب .