ولا بالرحمة ، لأن التعطف والشفقة إنما يثبت مع قصد الاحسان إلى الغير ،
لأجل نفعه ، لا لغرض آخر يرجع إليه ، وإنما يكون كريما وجوادا ، لنفع
الغير للاحسان ، وبقصده . ولو صدر منه النفع لا لغرض ، لم يكن كريما ،
ولا جوادا ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
فلينظر العاقل المنصف من نفسه : هل يجوز أن ينسب ربه عز وجل
إلى العبث في أفعاله ؟ وأنه ليس بجواد ، ولا محسن ، ولا راحم ، ولا
كريم ؟ نعوذ بالله من مزال الأقدام ، والانقياد إلى مثل هذه الأوهام ! .
ومنها : أنه يلزم أن يكون جميع المنافع التي جعلها الله تعالى منوطة
بالأشياء غير مقصودة ، ولا مطلوبة لله تعالى . بل وضعها وخلقها عبثا ( 1 ) ،
فلا يكون خلق العين للإبصار ، ولا خلق الأذن للسماع ، ولا اللسان للنطق ،
ولا اليد للبطش ، ولا الرجل للمشي ( 2 ) وكذا جميع الأعضاء التي في
الإنسان ، وغيره من الحيوانات . . ولا خلق الحرارة في النار للإحراق ( 3 ) ،
ولا الماء للتبريد ، ولا خلق الشمس ، والقمر ، والنجوم للإضاءة ، ومعرفة
الليل والنهار للحساب ( 4 ) . وكل هذا مبطل للأغراض ، والحكم ،
والمصالح . ويبطل علم الطب بالكلية ، فإنه لم يخلق الأدوية للإصلاح ،
هامش
( 1 ) قال تعالى : " ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " الذاريات : 56 وقال تعالى : " أفحسبتم
أنما خلقناكم عبثا ، وأنكم إلينا لا ترجعون " المؤمنون : 115 .
( 2 ) وقال تعالى : " لهم قلوب لا يفقهون بها ، ولهم أعين لا يبصرون بها ، ولهم آذان
لا يسمعون بها " . الآية . الأعراف : 179 . وقال تعالى : " ألهم أرجل يمشون بها ،
أم لهم أيد يبطشون بها ، أم لهم أعين يبصرون بها ، أم لهم آذان يسمعون بها " ، الأعراف :
195 وقال تعالى : " ومن آياته خلق السماوات والأرض ، واختلاف ألسنتكم وألوانكم ،
إن في ذلك لآيات للعالمين " الروم : 22 .
( 3 ) وقال تعالى : " نار الله الموقدة " الهمزة : 6 وقال : " ثم في النار يسجرون " غافر : 72 .
( 4 ) وقال تعالى : " هو الذي أنزل من السماء ماء ، لكم منه شراب ، ومنه شجر " النحل : 10 .