ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت " ، فيقال له : " كلا " ( 1 ) .
ومنها : أنه يلزم منه عدم الوثوق بوعده ، ووعيده . ولأنه لو جاز
منه فعل القبيح ، لجاز منه الكذب ، وحينئذ ينتفي الجزم بوقوع ما أخبر
بوقوعه من الثواب على الطاعة ، والعقاب على المعصية ، ولا يبقى للعبد
جزم بصدقه ، بل ولا ظن به ، لأنه لما وقع منه أنواع الكذب والشرور
في العالم ، كيف يحكم العقل بصدقه في الوعد والوعيد ، وينتفي حينئذ فائدة
التكليف ، وهو الحذر من العقاب ، والطمع في الثواب .
ومن يجوز لنفسه أن يقلد من يعتقد جواز الكذب على الله تعالى ، وأنه
لا جزم في البعث والنشور ، ولا بالحساب ، ولا بالثواب ، ولا بالعقاب ؟ ،
وهل هذا إلا خروج عن الملة الإسلامية ؟
فليحذر الجاهل من تقليد هؤلاء ، ولا يعتذر : بأني ما عرفت مذهبهم ،
فهذا عين مذهبهم ، وصريح مقالتهم . . نعوذ بالله تعالى منها ، ومن أمثالها . .
ومنها : أنه يلزم نسبة المطيع إلى السفه والحمق ، ونسبة العاصي إلى
الحكمة والكياسة ، والعمل بمقتضى العقل . بل كلما ازداد المطيع في طاعته
وزهده ، ورفضه للأمور الدنيوية ، والاقبال على الله تعالى بالكلية ،
والانقياد إلى امتثال أوامره ، واجتناب مناهيه ، نسب إلى زيادة الجهل ،
والحمق ، والسفه . وكلما ازداد العاصي في عصيانه ، ولج في غيه
وطغيانه ، وأسرف في ارتكاب الملاهي المحرمة ، واستعمال الملاذ المزجور
عنها بالشرع ، نسب إلى العقل ، والأخذ بالحزم ، لأن الأفعال القبيحة
إذا كانت مستندة إليه تعالى ، جاز أن يعاقب المطيع ، ويثبت العاصي ،
فيجعل ( 2 ) المطيع بالتعب ، ولا تفيده ( 3 ) طاعته إلا الخسران ، حيث جاز
أن يعاقبه على امتثال أمره ، ويحصل في الآخرة بالعذاب الأليم السرمد ،
هامش
( 1 ) المؤمنون : 100 .
( 2 ) في نسخة : فيتعجل .
( 3 ) في نسخة : ولا يفيد .