شرح
وأما الثلاثة الباقية ، أعني : النظرية الغير الراسخة ، كاعتقادات العوام
والمقلدة ، والعلمية الراسخة وغير الراسخة ، كالأخلاق ، والملكات الردية
المستحكمة وغير المستحكمة ، فيزول بعد الموت لعدم رسوخها ، أو لكونها هيئات
مستفادة من الافعال والأمزجة ، فيزول بزوالها لكنها تختلف في شده الرداءة
وضعفها ، وفي سرعة الزوال وبطئه ، فيختلف العذاب بها في الكم والكيف بحسب
الاختلافين . وهذا إذا عرفت النفس أن لها كمالا فانيا : إما لاكتسابها ما يضاد
الكمال ، أو لاشتغالها عن اكتساب الكمال ، أو لتكاسلها في اقتناء الكمال وعدم
اشتغالها بشئ من العلوم .
وأما النفوس السليمة الخالية عن الكمال وعما يضاده ، وعن الشوق إلى
الكمال ففي سعة من رحمة الله ، خافضة من البدن إلى سعادة تليق بها غير متألمة
بما يتأذى به الأشقياء ، الا أنه ذهب بعض الفلاسفة إلى أنها لا تجوز أن تكون معطلة
عن الادراك ، فلابد أن تتعلق بأجسام اخر لما أنها لا تدرك الا بآلات جسمانية .
وحينئذ : إما أن تصير مبادي صور لها ، فيكون نفوسا لها ، وهذا هو القول
بالتناسخ . وإما أن لا تصير ، وهذا هو الذي مال إليه ابن سينا والفارابي ، من أنها
تتعلق بأجرام سماوية ، لا على أن تكون نفوسا لها مدبرة لأمورها ، بل على أن
يستعملها لامكان التخيل ، ثم تتخيل الصور التي كانت معتقدة عندها وفي وهمها ،
فيشاهد الخيرات الأخروية على حسب ما يخيلها ، قالوا : ويجوز أن يكون هذا
الجرم متولدا من الهواء والأدخنة من غير أن يقارن مزاجا يقتضي فيضان نفس
انسانية .
ثم إن الحكماء وان لم يثبتوا المعاد الجسماني والثواب والعقاب
المحسوسين ، فلم ينكروها غاية الانكار ، بل جعلوها من الممكنات ، لا على وجه