شرح
العقلية ، وذلك أن النفوس البشرية ، سواء جعلت أزلية كما هو رأي أفلاطون أو
لا كما هو رأي أرسطو ، فهي أبدية عندهم لا تفنى بخراب البدن ، بل ملتذة
بكمالاتها مبتهجة بادراكاتها ، وذلك سعادتها وثوابها وجنانها ، على اختلاف
المراتب وتفاوت الأحوال ، أو متألمة بفقد الكمالات وفساد الاعتقادات ، وذلك
شقاوتها وعقابها ونيرانها ، على ما لها من اختلاف التفاصيل ، وإنما لم يتنبه لذلك
في هذا العالم لاستغراقها في تدبير البدن ، وانغماسها في كدورات عالم الطبيعة ،
وبالجملة لما بها من العلائق والعوائق الزائلة بمفارقة البدن .
فما ورد في لسان الشرع من تفاصيل الثواب والعقاب ، وما يتعلق بذلك من
السمعيات ، فهي مجازات وعبارات عن تفاصيل أحوالها في السعادة والشقاوة ،
واختلاف أحوالها في اللذات والآلام ، والتدرج مما لها من دركات الشقاوة إلى
درجات السعادة ، فان الشقاوة السرمدية إنما هي بالجهل المركب الراسخ ،
والشرارة المضادة للملكة الفاضلة لا الجهل البسيط ، والأخلاق الخالية عن
غايتي الفضل والشرارة ، فان شقاوتها منقطعة ، بل ربما لا يقتضي الشقاوة أصلا .
وتفصيل ذلك : أن فوات كمالات النفس يكون : إما لامر عدمي ، كنقصان
غريزة العقل ، أو وجودي كوجود الأمور المضادة للكمالات ، وهي : إما راسخة أو
غير راسخة ، وكل واحد من الأقسام الثلاثة : إما أن يكون بحسب القوة النظرية ، أو
العملية ، يصير ستة .
فالذي بحسب نقصان الغريزة في القوتين معا ، فهو غير مجعول بعد الموت ،
ولا عذاب بسببه أصلا ، والذي بسبب مضاد راسخ في القوة النظرية ، كالجهل
المركب الذي صار صورة للنفس غير مفارقة عنه ، فهو غير مجبور أيضا لكن
عذابه دائم .