فيها فيكون تبعا لآبائه في جهنم ، وذلك قوله عز وجل فمنهم شقي
وسعيد 1 ) * فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق 2 ) * خالدين
شرح
وثانيها : ما لا يقدر الانسان عليه أصلا عادة ، وإن كان ذلك الفعل ممكنا في
ذاته ، كالطيران في الهوى ، والصعود إلى السماء ، وأمثال ذلك من الممكنات التي
لا يقدر الانسان عليها أصلا في مجرى العادة ، فهذا النوع لا يجوز ورود الامر به
عقلا وشرعا ، الا مشروطا بشرط القدرة والاستطاعة ، كما قال تعالى ان استطعتم
أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا ( 1 ) اعجازا للمأمور ، واظهارا
لكمال قدرة الله .
وثالثها : ما يستحيل ويمتنع امتناعا ذاتيا ، كالجمع بين الضدين ، كالسواد
والبياض . وهذا أيضا لا يجوز التكليف به عقلا وشرعا .
إذا عرفت هذا فاعلم أن دخول النار والتكليف به إنما هو من النوع الأول ، ولم
يكلف به في الدنيا ، وإنما كلف به في الأخرى . ومنها : أن الذي لا يطاق هنا إنما هو
التألم والعذاب بالنار ، لا توطين النفس على دخولها حتى تجعل عليه بردا
وسلاما .
وأما أصل التكليف ، فقال الصدوق طاب ثراه : ان قوما من أصحاب الكلام
ينكرون ذلك ، ويقولون : انه لا يجوز أن يكون في دار الجزاء تكليف ، ودار الجزاء
للمؤمنين إنما هي الجنة ، ودار الجزاء للكافرين إنما هي النار ، وإنما يكون هذا
التكليف من الله عز وجل في غير الجنة والنار ، فلا يكون كلفهم في دار الجزاء ، ثم
يصيرهم إلى الدار التي يستحقونها بطاعتهم أو معصيتهم ، فلا وجه لانكار ذلك ،
ولا قوة الا بالله .
1 ) ظاهره أن هذه الآية مخصوصة بأطفال المشركين ، وانهم ينقسمون بعد
التكليف قسمين ، والآية كما قاله المفسرون ظاهرة في إرادة مطلق الناس ، كما هو
المستفاد من صدر الآية .
2 ) قال الزجاج : الزفير والشهيق من أصوات المكروبين المحزونين ،
هامش
( 1 ) الرحمن : 33 .