نفسه فيها فكانت عليه بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم عليه السلام ، ومن
سبق له في علم الله عز وجل أن يكون شقيا امتنع فلم يلق نفسه في النار ،
فيأمر الله تبارك وتعالى النار فتلتقطه لتركه أمر الله وامتناعه من الدخول
شرح
ومن ظن أن هذا التكليف تكليف بما لا يطاق ، وقد قام الدليل العقلي والنقلي على
عدم وقوعه . فالجواب عنه من وجوه :
منها : أن اختلاف النشأتين مما له مدخل في باب التكاليف ، ومن ثم جاز في
البرزخ وما بعده ما لا يتحققه العقول .
ومنها : أن هذا ليس من ذاك ، بل المراد بما لا يطاق ما لا تصل إليه القدرة ،
كالطيران إلى السماء ، وتكليف الأعمى نقط المصاحف . أما التكليف بقتل النفس
وازهاق الروح ، فقد ورد في شرائع الأنبياء ، كقوله تعالى في قوم موسى لما عبدوا
العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ( 1 ) وكما ورد من وجوب تمكين
القاتل نفسه لأولياء المقتول ليقتلوه قصاصا . وكما روي أن من أجنب عمدا يجب
عليه الغسل بالماء البارد والجمد والثلج ، وإن كان مظنه الخوف والهلاك ( 2 ) .
وتحقيق المقام : أن العلماء نصوا على أن ما لا يطاق على ثلاثة أنواع :
أحدها : ما يقدر الانسان عليه ، لكن لو أتى به يتعب تعبا شديدا ، أو يشق
عليه مشقة عظيمة ، كقيام المرضى وصيامهم ونحو ذلك ، وهو المراد من قوله تعالى
تعليما لنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ( 3 ) أي : ما يشق علينا مشقة عظيمة .
ويجوز ورود تكليف ما لا يطاق على هذا التفسير عقلا ، وان لم يرد به التكليف
غالبا ، لكونه حرجا وعسرا ، وهو منفي بما جعل عليكم في الدين من حرج ، ويريد
الله بكم اليسر .
هامش
( 1 ) البقرة : 54 .
( 2 ) تهذيب الأحكام 1 : 198 ح 49 و 51 .
( 3 ) البقرة : 286 .