شرح
الموجود بذاته لا بموجد ، وتحرير هذا الدليل أنه لو كان المبدأ اثنين ، فلا يخلو من
أن يكونا قديمين قويين ، أو يكونا ضعيفين ، أو يكون أحدهما قويا والآخر ضعيفا .
والمراد بالقوي على فعل الكل بالإرادة ، والمراد بالضعيف الذي لا يقوى
على فعل الكل ، ولا يستبد به ولا يقاوم القوى ، فان كانا قويين فلم لا يدفع كل
منهما صاحبه ويتفرد به ، أي : يلزمهما من قوتهما انفراد كل بالتدبير ، ويلزم منه عدم
وقوع الفعل ، فان زعمت أن أحدهما قوي والاخر ضعيف ، ثبت أنه واحد ، أي :
المبدأ للعالم واحد ، لعجز الضعيف عن المقاومة ، وثبت احتياج الضعيف إلى العلة
الموجدة ، لان القوي أقوى وجودا من الضعيف ، وضعف الوجود لا يتصور الا
بجواز خلو المهية عن الوجود ، ويلزم منه الاحتياج إلى المبدأ المبائن الموجد له .
وإن قلت إنهما اثنان ، أي : المبدأ اثنان ، وهذا هو الشق الثاني ، أي : كونهما
ضعيفين بأن يقدر ويقوى كل منهما على بعض ، أو يفعل بعضا دون بعض بالإرادة ،
وإن كان يقدر على الكل .
وفي هذا الشق لا يخلو من أن يكونا متفقين ، أي : في الحقيقة من كل جهة ،
ويلزم من هذا عدم الامتياز بالتعيين ، للزوم المغايرة بين الحقيقة والتعيين
المختلفين ، واستحالة استنادهما إلى الحقيقة ، واستحالة استنادهما إلى الغير ،
فيكون لهما مبدأ ، أو مختلفين مفترقين من كل جهة ، وذلك معلوم الانتفاء ، فانا لما
رأينا الخلق منتظما والفلك جاريا والتدبير واحدا والليل والنهار والشمس والقمر ،
دل صحة الامر والتدبير وائتلاف الامر على أن المدبر واحد لا اثنان مختلفان من
كل جهة .
ثم ذلك المدبر ( 1 ) الواحد لا يجوز أن يكون واحدا بجهة من حيث الحقيقة
هامش
( 1 ) قوله ( ثم ذلك المدبر ) الخ الظاهر أنه بيان للشق الثالث ، وهو أن يكونا ضعيفين ، لكنهما
متفقان من جهة مختلفان من أخرى ، لكنه لم يذكر هذا الشق في التقسيم ، وكان الأولى له
ذكره ( منه ) .