59 - باب نفي الجبر والتفويض
1 - أبي رحمه الله ، قال : حدثنا سعد بن عبد الله ، عن يعقوب بن يزيد ، عن
حماد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عمر اليماني ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال :
إن الله عز وجل خلق الخلق فعلم ما هم صائرون إليه ، وأمرهم ونهاهم ، فما
أمرهم به من شئ فقد جعل لهم السبيل إلى الاخذ به ، وما نهاهم عنه من
شئ فقد جعل لهم السبيل إلى تركه ، ولا يكونوا آخذين ولا تاركين إلا
بإذن الله .
شرح
وثالثها : أن يكون المعنى : المبالغة في الاخبار عن قربه من عباده وعلمه بما
يبطنون ويخفون ، وأن الضمائر المكنونة له ظاهرة والخفايا المستورة لعلمه باديه ،
يجري ذلك مجرى قوله تعالى : ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ونحن نعلم
أنه تعالى لم يرد قرب المسافة ، بل المعنى الذي ذكرناه ، وإذا كان عز وجل هو
أعلم بما في قلوبنا منا فكان ما نعلمه أيضا يجوز أن ننساه ونسهو عنه ونضل عن
علمه ، وكل ذلك لا يجوز عليه ، فجاز أن نقول : إنه يحول بيننا وبين قلوبنا ، لأنه
معلوم في الشاهد أن كل شئ يحول بين الشيئين فهو أقرب إليهما ، والعرب تضع
كثيرا لفظة القرب على غير معنى المسافة ، فيقول : فلان أقرب إلى قلبي من فلان .
ورابعها : ما أجاب به بعضهم من أن المؤمنين كانوا يفكرون في كثرة عدوهم
وقلة عددهم ، فيدخل قلوبهم الخوف ، فأعلمهم تعالى أنه يحول بين المرء وقلبه ،
بأن يبدله بالخوف الامن ويبدل عدوهم بظنهم أنهم قادرون عليهم الجبن
والخوف ، ويمكن في الآية وجه خامس وهو أن يكون المراد : أنه تعالى يحول
بين المرء وبين ما يدعوه إليه قلبه من القبائح بالأمر والنهي والوعد والوعيد ، انتهى .