شرح
وأما الثاني : فلما ذكره بعض علماء التفسير والأصول من أن الخليل لم يكن
مأمورا بالذبح ، بل إنما كان مأمورا بمقدماته ، وقد فعل ما امر به منها ، وعلى تقدير
أنه كان مأمورا بالذبح ، يكون إنما امر بفري الأوداج ، لا بإزهاق الروح ، وفي
الخبر : أنه كلما كان يفري ودجا ويجاوزه إلى غيره عاد إلى موضع ملتحما ، فيكون
قد امتثل ما امر به .
والجواب أما عن الأول : فبأن المراد من البداء في حديث قوله ( إسماعيل
ابني ) أن الشيعة كانوا يزعمون أن إسماعيل هو الامام بعد أبيه لما رووه من أن
الإمامة في الولد الأكبر ، حتى أن طائفة من الشيعة وهم الإسماعيلية بقوا على هذا
الاعتقاد إلى هذا اليوم وقالوا : إن إسماعيل لم يمت بل هو غائب وسيظهر ، ولما
رأى الصادق عليه السلام ميل الناس إلى إمامته صنع معه بعد الممات ما لم يفعله مع غيره
الذين ماتوا من أهل بيته ، كما روي أنه تقدم سريره بلا حذاء ولا رداء ، وكان
يأمرهم كلما مشوا بوضع السرير على الأرض ، فيكشف عن وجهه ويقبله ليراه
الناس حتى لا يظنوا به ما ظنه تلك الطائفة الإسماعيلية .
وبالجملة فالبداء هنا هو الاظهار للحق ما كانوا يظنون غيره ، كما في كثير من
موارد البداء ، فالمراد منه التقديم والتأخير في نظر الناس واعتقادهم . لا التقديم
والتأخير عنده سبحانه .
وأما عن الثاني : فبأن الاخبار الواضحة إنما وردت بأن الله تعالى قد أمر
الخليل عليه السلام بالذبح الحقيقي ، لكنه نسخه قبل حضور فعله لفائدة توطين النفس ،
فيحصل لهما عظيم الاجر ، والأصوليون بنوه على المسألة المشهورة بينهم من أن
نسخ الشئ قبل حضور فعله هل هو جائز أم لا ؟ والقول بالجواز هو الأقوى ، كما
حقق في موضعه ، وعلى ما قلنا يحمل قول الصادق عليه السلام لابنه موسى صلوات الله
عليه لما مات إسماعيل : يا بني أحدث لله شكرا فقد أحدث فيك عهدا . من أن
المراد بالعهد إظهار إمامته عند الناس بعد أن كانوا يزعمونها في غيره .