تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور البراهين — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
شرح
وأما الثاني : فلما ذكره بعض علماء التفسير والأصول من أن الخليل لم يكن مأمورا بالذبح ، بل إنما كان مأمورا بمقدماته ، وقد فعل ما امر به منها ، وعلى تقدير أنه كان مأمورا بالذبح ، يكون إنما امر بفري الأوداج ، لا بإزهاق الروح ، وفي الخبر : أنه كلما كان يفري ودجا ويجاوزه إلى غيره عاد إلى موضع ملتحما ، فيكون قد امتثل ما امر به . والجواب أما عن الأول : فبأن المراد من البداء في حديث قوله ( إسماعيل ابني ) أن الشيعة كانوا يزعمون أن إسماعيل هو الامام بعد أبيه لما رووه من أن الإمامة في الولد الأكبر ، حتى أن طائفة من الشيعة وهم الإسماعيلية بقوا على هذا الاعتقاد إلى هذا اليوم وقالوا : إن إسماعيل لم يمت بل هو غائب وسيظهر ، ولما رأى الصادق عليه السلام ميل الناس إلى إمامته صنع معه بعد الممات ما لم يفعله مع غيره الذين ماتوا من أهل بيته ، كما روي أنه تقدم سريره بلا حذاء ولا رداء ، وكان يأمرهم كلما مشوا بوضع السرير على الأرض ، فيكشف عن وجهه ويقبله ليراه الناس حتى لا يظنوا به ما ظنه تلك الطائفة الإسماعيلية . وبالجملة فالبداء هنا هو الاظهار للحق ما كانوا يظنون غيره ، كما في كثير من موارد البداء ، فالمراد منه التقديم والتأخير في نظر الناس واعتقادهم . لا التقديم والتأخير عنده سبحانه . وأما عن الثاني : فبأن الاخبار الواضحة إنما وردت بأن الله تعالى قد أمر الخليل عليه السلام بالذبح الحقيقي ، لكنه نسخه قبل حضور فعله لفائدة توطين النفس ، فيحصل لهما عظيم الاجر ، والأصوليون بنوه على المسألة المشهورة بينهم من أن نسخ الشئ قبل حضور فعله هل هو جائز أم لا ؟ والقول بالجواز هو الأقوى ، كما حقق في موضعه ، وعلى ما قلنا يحمل قول الصادق عليه السلام لابنه موسى صلوات الله عليه لما مات إسماعيل : يا بني أحدث لله شكرا فقد أحدث فيك عهدا . من أن المراد بالعهد إظهار إمامته عند الناس بعد أن كانوا يزعمونها في غيره .
نور البراهين — صفحة 239 | السيد نعمة الله الجزائري / السيد مهدي الرجائي