شرح
فمجموع تلك الأشخاص الذين خرجوا إلى الوجود من أول تخليق آدم إلى آخر
فناء الدنيا ، لا تحويهم عرصة الدنيا ، فكيف يمكن أن يقال : إنهم بأسرهم حصلوا
دفعة واحدة في صلب آدم عليه السلام .
السابعة : قالوا : هذا الميثاق إما أن يكون قد أخذه الله منهم في ذلك الوقت
ليصير حجة عليهم في ذلك الوقت ، أو ليصير حجة عليهم عند دخولهم في الدار
الدنيا ، والأول باطل ، لانعقاد الاجماع على أن بسبب ذلك المقدار من الميثاق
لا يصيرون مستحقين للثواب والعقاب ، والمدح والذم ، ولا يجوز أن يكون
المطلوب منه أن يصير ذلك حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا ، لأنهم لما لم
يذكروا ذلك الميثاق في الدنيا فكيف يصير حجة عليهم في التمسك بالايمان .
الثامنة : قال الكعبي : إن حال أولئك الذرية لا يكون أعلى في الفهم والعلم
من حال الأطفال ، فلما لم يمكن توجيه التكليف على الطفل ، فكيف يمكن
توجيهه على أولئك الذر ؟
وأجاب الزجاج عنه ، وقال : لما لم يبعد أن يؤتي الله النمل العقل كما قال :
قالت نملة يا أيها النمل ( 1 ) وأن يعطي الجبل الفهم حتى يسبح كما قال :
وسخرنا مع داود الجبال يسبحن ( 2 ) وكما أعطى الله العقل للبعير حتى سجد
للرسول صلى الله عليه وآله ، وللنخلة حتى سمعت وانقادت حين دعيت ، فكذا هاهنا .
التاسعة : أن أولئك الذر في ذلك الوقت : إما أن يكونوا كاملي العقول والقدر ،
أو ما كانوا كذلك ، فإن كان الأول كانوا مكلفين لا محالة ، وإنما يبقون مكلفين إذا
عرفوا الله بالاستدلال ، ولو كانوا كذلك لما امتازت أحوالهم في ذلك الوقت عن
أحوالهم في هذه الحياة الدنيا ، فلو افتقر التكليف في الدنيا إلى سبق ذلك الميثاق
هامش
( 1 ) سورة النمل : 18 .
( 2 ) سورة الأنبياء : 79 .