شرح
أعمالهم السيئة بأعمال حسنة ، فهؤلاء أمرهم إلي ، إن شئت عذبتهم ، فبعدلي ، وإن
شئت عفوت عنهم فبفضلي ، فأنبأه الله تعالى بما يكون من ولده وشبههم بالذر الذي
أخرجهم من ظهره وجعله علامة على كثرة ولده . ويحتمل أن يكون ما أخرجه من
ظهره وجعل أجسام ذريته دون أرواحهم ، وإنما فعل الله تعالى ذلك ليدل آدم عليه السلام
على العاقبة منه ويظهر له من قدرته وسلطانه وعجائب صنعته وأعلمه بالكائن
قبل كونه ، وليزداد آدم عليه السلام يقينا بربه ويدعوه ذلك إلى التوفر على طاعته
والتمسك بأوامره والاجتناب لزواجره .
فأما الاخبار التي جاءت بأن ذرية آدم عليه السلام استنطقوا في الذر فنطقوا فأخذ
عليهم العهد ، فأقروا ، فهي من أخبار التناسخية ، وقد خلطوا فيها ومزجوا الحق
بالباطل ، والمعتمد من إخراج الذرية ما ذكرناه دون ما عداه مما خالف الأدلة
العقلية والحجج السمعية ، وإنما هو تخليط لا يثبت به أثر .
فإن تعلق متعلق بقوله تبارك اسمه : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم )
الآية ، فظن بظاهر هذا القول تحقق ما رواه أهل التناسخ والحشوية والعامة في
إنطاق الذرية وخطابهم وأنهم كانوا أحياء ناطقين .
فالجواب عنه : أن لهذه الآية من المجاز في اللغة ، كنظائرها مما هو مجاز
واستعارة ، والمعنى فيها أن الله تبارك وتعالى أخذ من كل مكلف يخرج من ظهر
آدم وظهور ذريته ، العهد عليه بربوبيته من حيث أكمل عقله ودله بآثار الصنعة على
حدثه ، وأن له محدثا أحدثه لا يشبهه يستحق العبادة منه بنعمه عليه ، فذلك هو
أخذ العهد منهم وآثار الصنعة فيهم ، والاشهاد على أنفسهم بأن الله تعالى ربهم .
وقوله تعالى : ( قالوا بلى ) يريد أنهم لم يمتنعوا من لزوم آثار الصنعة فيهم ،
ودلائل حدثهم اللازمة لهم ، وحجة العقل عليهم في إثبات صانعهم ، فكأنه سبحانه