معنى قوله ( استوى ) استولى لان استيلاء الله تبارك وتعالى على الملك
وعلى الأشياء ليس هو بأمر حادث ، بل لم يزل مالكا لكل شئ
ومستوليا على كل شئ ، وإنما ذكر عز وجل الاستواء بعد قوله : ( ثم ) وهو
يعني الرفع مجازا ، وهو كقوله : ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم
والصابرين 1 ) ( 1 ) فذكر ( نعلم ) مع قوله : ( حتى ) وهو عز وجل يعني
حتى يجاهد المجاهدون ونحن نعلم ذلك لان حتى لا يقع إلا على فعل
حادث ، وعلم الله عز وجل بالأشياء لا يكون حادثا ، وكذلك ذكر قوله عز
وجل : استوى على العرش بعد قوله : ( ثم ) وهو يعني بذلك ثم رفع
العرش لاستيلائه عليه ، ولم يعن بذلك الجلوس واعتدال البدن لان الله لا
يجوز أن يكون جسما ولا ذا بدن ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
شرح
1 ) قال ثقة الاسلام الطبرسي رحمه الله : أقسم سبحانه فقال : ( ولنبلونكم ) أي :
نعاملكم معاملة المختبر بما نكلفكم به من الأمور الشاقة ( حتى نعلم
المجاهدين منكم والصابرين ) أي : حتى نتميز المجاهدين في سبيل الله من
جملتكم والصابرين على الجهاد ، وقيل : معناه : حتى يعلم أولياؤنا المجاهدين
منكم ، وأضافه إلى نفسه تعظيما وتشريفا ، كما قال : ( إن الذين يؤذون الله
ورسوله ) أي يؤذون أولياء الله . وقيل : معناه : حتى نعلم جهادكم موجودا ، لان
الغرض أن تفعلوا الجهاد فيثيبكم على ذلك ( 2 ) .
أقول : ما ذكره المصنف طاب ثراه لعل فيه مناسبة للمعنى الأخير ، وإلا فحقيقة
الكلام أن العلم القديم وإن تعلق بالأشياء قبل وجودها على ما يكون عليه ، إلا أن
ذلك العلم ليس هو بعلة في التكليف ، ويناط به الثواب والعقاب ، وإنما العلة فيهما
هامش
( 1 ) محمد صلى الله عليه وآله : 31 .
( 2 ) مجمع البيان 5 : 106 - 107 .