شرح
وذهب بعض أرباب الحديث إلى جواز إرادة المعنى الرابع بأن يكون كناية
عن نفي النقص عنه تعالى من جميع الوجوه ، وعلى هذا يكون قوله ( على العرش )
في محل النصب على الحال . وأما المعنى الخامس ، فهو الظاهر من أكثر الاخبار .
الأمر الثاني : في معاني العرش واطلاقاته ، فقد ورد تارة بمعنى الجسم العظيم
المحيط بسائر الجسمانيات ، وهو المسمى بفلك الأفلاك ، والفلك الأطلس ،
ومحدد الجهات . ويطلق تارة أخرى على جميع المخلوقات ، فإنها بمجموعها
وآحادها عرش لعظمته ووحدانيته وسلطانه ، كما أن السرير عرش لعظمة الملك
والسلطان . ويطلق ثالثا على العلم ، ورابعا على نهاية العظمة والتقدس والجلالة ،
لأنها عرش الجلال والاكرام وهذه المعاني الأربعة أشهر معانيه ، لورودها في
الآيات والاخبار ، وإلا فالوارد في الأحاديث إطلاقه على معان كثيرة ، ولقد
حدثني شيخنا صاحب التفسير الموسوم بنور الثقلين أن العرش يطلق في
الاخبار على ما يقارب ستين معنى ( 1 ) .
الثالث : في تعيين المعنى المراد من هذا الخبر ونحوه ، ذهب أكثر المحدثين
إلى أن المراد منه المعنى الثاني ، بتضمين الاستواء معنى ما يتعدى بعلى ،
كالاستيلاء والاستعلاء ، والمعنى : أنه سبحانه استعلى على كل شئ ، واستوت
نسبته إلى الأشياء بالاستعلاء والاشراف عليها ، وجوز جماعة إرادة المعنى
الثالث ، ومعناه : أن الرحمن عز شأنه على عرش العلم ، استوت نسبة العلمية إلى
الإحاطة بجميع الأشياء .
وأما المعنى الرابع ، فجوز إرادته هذا أيضا ، يعني أن الرحمن استولى على كل
الأشياء حال كونه مستقرا على عرش العظمة والجلال ، ولا يخفى اختلاف قوله
هامش
( 1 ) وقد روي في الاخبار اطلاق العرش أيضا على قلب المؤمن ، لأنه محل المعارف ومكان
أسرار الله تعالى ، ومن ثم ورد في الحديث القدسي : ما وسعني عرشي ولا كرسيي ولا سمائي
ولا أرضي ولا بري ولا بحري ، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن ( منه ) .