شرح
أولها : بيان معنى الاستواء ، فنقول : قد ذكر العلماء له معان خمسة : الأول :
الاستواء والتمكن على الشئ . الثاني : قصد الشئ والاقبال عليه . الثالث :
الاستيلاء على الشئ ، ومنه :
قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق
الرابع : الاعتدال ، يقال : سويت الشئ فاستوى أي : اعتدل ، الخامس :
المساواة في النسبة .
فأما المعنى الأول ، فهو محال عليه تعالى ، لأنه مستلزم للمكان والجسم .
وأما باقي المعاني ، فذهب جماعة من أرباب التفسير إلى إرادة المعنى الثاني منها ،
والمعنى : أنه أقبل على خلقه وقصد إلى ذلك .
وسئل أبو العباس أحمد بن يحيى عن هذه الآية ، فقال : الاستواء الاقبال على
الشئ . ونحوه قال الفراء والزجاج في قوله عز وجل ثم استوى إلى
السماء ( 1 ) وذهب الأكثر منهم وهو الظاهر من الاخبار ، إلى إرادة المعنى
الثالث ، والمعنى : أنه تعالى شأنه استولى على العرش وملكه ودبره .
قال في الكشاف : لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك ، لا يحصل
إلا مع الملك جعلوه كناية عن الملك ، فقالوا : استوى فلان على السرير ، يريدون
ملكه ، وإن لم يقعد على السرير البتة ، وإنما عبروا عن حصول الملك بذلك ، لأنه
أصرح وأقوى في الدلالة من أن يقال : فلان ملك ، ونحوه قولك : يد فلان مبسوطة
ويد فلان مغلولة ، بمعنى : أنه جواد أو بخيل ، لا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت ،
حتى أن من لم يبسط يده قط بالنوال أو لم تكن له يد رأسا وهو جواد قيل فيه :
مبسوطة ، لأنه لافرق عندهم بينه وبين قولهم : جواده ( 2 ) .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 29 .
( 2 ) الكشاف 2 : 530 .