ولم تدركه الابصار فيكون بعد انتقالها حائلا 1 ) الذي ليست له في أوليته
نهاية ، ولا في آخريته حد ولا غاية ، الذي لم يسبقه وقت ، ولم يتقدمه
شرح
استثباتها عند اقتناصها من عالم التجريد وبقائها إلى حال اليقظة إلا في صور
خيالية مشاهدة .
فحاصل معناه : أنه لو أدركته العقول لكان ذلك بمشاركة الوهم ، فكان يلزم
أن يصوره بصورة خيالية ، فتكون تلك الصورة شبحا مماثلا لأشباح الخيال وما
فيه من الصور قائمة به . ويؤيد هذا الاحتمال أنه لم يذكر العقول .
وإن أبيت إلا الفرق الحكمي بين الأوهام والعقول ، فاجعل العلة والنكتة في
عدم التعرض للعقول وادراكها هي أن العقول وقواها لما لم تحم إلا حول ما يمكن
ادراكه ، وكان هذا الادراك محالا ، لم تكد تقرب إلى حماه ، بخلاف الأوهام
فإنها تدرك الأمور التي لا حقيقة لها في الخارج ولا ثبوت لها في الواقع ، كانسان
ذي رأسين وذي جناحين ، وتتوهم المحالات وغير ذلك .
1 ) الابصار هنا جمع بصر لا جمع بصيرة ، وان أمكن ارادته بناء على ما
حققناه سابقا . وعلى الأول فمعنى الحائل المتغير من حال إذا تغير ، فيكون منقلبا
عن الحالة التي كانت له عند الابصار من المقابلة والمحاذاة والوضع الخاص
وكونه غير مرئي بعد أن كان مرئيا ، وزوال صورته من الباصرة بعد أن كانت
مرتسمة فيها ، وغير ذلك من ضروب التغيير .
وبعض الأفاضل قرأ بعد بضم الباء واحد الابعاد ، على أنه اسم يكون ،
والحائل بمعنى الحاجز ، أي : يكون بعد انتقال الابصار وطول مسافتها مانعا
عن ابصاره . وهو بعيد ، كما بعد قول من قرأ خائلا بالخاء المعجمة ، أي : ذا خيال
وصورة متمثلة في المدرك .