شرح
شيطان يلقي إليه الشر ويزينها له .
ومنها وهو الجواب الحق عندي في هذا المقام ، وبيانه : أن النفوس
والأفكار إذا اقتنصت ( 1 ) المقدمات ورتبتها ترتيبا ، اقتنصت معه فيضان الصورة
العلمية والنتيجة القياسية ، أفيض عليها من المبدأ الفياض جل شأنه ما يناسب تلك
المقدمات التي رتبها الفكر ، وصارت النفس بها مستعدة لفيضان صورة توافق تلك
المقدمات .
فإن جاهدت الأفكار بتحصيل مقدمات حقه أفيض عليها العلم المطابق
للواقع ، وان جرت في غير جادة السياق ولم تأت بالجهاد المأمور به في قوله عز
شأنه ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) ( 2 ) استعدت النفس لان يفاض
عليها ما يناسب المقدمات التي قصرت في تحصيلها ، مثلا لما رتب الفلاسفة قولهم
العالم مستغن عن المؤثر ، وكل مستغن عن المؤثر قديم ، أفيض على ألواح
نفوسهم ما يوازي المقدمات . وكان القصور في سعيهم وفساد المقدمة الصغرى .
وأما القوانين المنطقية ، فلا قصور فيها ، لأنها إنما تضمنت العصمة عن الخطأ
في الصورة لا في المادة ، والكاشف عما قلناه أن الكافر لما جحد وستر نعم الله
تعالى وطرح العقل وراء ظهره ، صير نفسه مستعدا لان يفاض عليه الحرمان
والخذلان ويحصل له الجزم بمعتقده ، فلا بخل هنا في الفياض جل شأنه . وكذلك
الأب إذا انغمر في ضروب العصيان وجانب طريق العدل والاحسان يكون قد
جعل نفسه مستعدة لان يرزق ولدا يشابهه في أفعاله ويحاذيه في أقواله .
ويدخل في هذا ما حققناه في باب أن طينة المؤمن من عليين ، وطينة الكافر
من سجين ، ودفعنا به اعتراض الجبرية .
هامش
( 1 ) في " س " : اقتضت في الموضعين .
( 2 ) العنكبوت : 69 .