تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور البراهين — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
شرح
إنما الكلام في أنه تعالى إذا كان ظاهرا وأظهر من كل شئ ، فكيف اختلف الناس فيه ، واحتاجوا إلى إقامة البراهين على اثباته وعلى صفاته الكمالية والجلالية . وبعضهم نفاه وقال : ما يهلكنا إلا الدهر . وتحقيق هذا المقام على ما أشار إليه الخبر وكلام أهل العرفان أنه تعالى إنما خفي من فرط ظهوره ، كما ورد في الدعاء : خفيا من فرط الظهور . وبيان ذلك : أنك لو نظرت إلى كلمة كتبها كاتب لاستدللت بها على كون الكاتب عالما قادرا سميعا بصيرا ، واستفدت منها اليقين بوجود هذه الصفات ، فلما ( 1 ) شهدت هذه الكلمة شهادة قاطعة على صفات الكاتب ، فما من ذرة في السماوات والأرض الا وهي شاهدة على نفسها بالحاجة إلى مدبرها . ولما كثرت الشهادات حتى اتفقت خفيت وغمضت لشدة الظهور . ومثاله : أن أظهر ما يدرك بحاسة البصر نور الشمس المشرق على الأجسام الذي به يظهر كل شئ لا يكون ظاهرا ، وقد أشكل ذلك على خلق كثير حتى قالوا الأشياء المتلونة ليس فيها إلا ألوانها فقط من سواد وحمرة وغيرهما ، فاما أن يكون فيها مع اللون ضوء مفارق للنور فلا وسوى هؤلاء إنما شبهوا على قيام النور بالمتلونات بالتفرقة التي يدركونها بين الظل وموضع النور ، وبين الليل والنهار ، فان الشمس لما تصور غيبتها بالليل واحتجابها بالأجسام المظلمة بالنهار انقطع أثرها عن المتلونات ، فأدركت التفرقة بين النائر المضئ بها ، وبين المظلم المحجوب عنها ، فعرف وجود النور بعد النور إذا أضيف حالة الوجود إلى حالة العدم ، فأدركت مع بقاء الألوان في الحالتين ، ولو طبق نور الشمس كل الألوان الظاهرة لشخص ولم تغب الشمس حتى يدرك التفرقة ، لتعذر عليه معرفة كون النور
هامش
( 1 ) في ( س ) : فكما .
نور البراهين — صفحة 489 | السيد نعمة الله الجزائري / السيد مهدي الرجائي