شرح
المعرفتين في زمان واحد في قلب واحد ، يعني : قيام تصديقين أحدهما أقوى من
الآخر بذهن واحد ، وأحدهما حاصل من جهة الرؤية ، والآخر من جهة
الدليل ، كما يمتنع قيام حرارتين بماء واحد في زمان واحد . انتهى ، وأورد عليه
أن كثيرا من المعارف التي تعرف في الدنيا بالدليل تصير في الآخرة ضرورة
بالمعاينة ( 1 ) .
وثالثها : ما حققه بعض الأفاضل بعد ما مهد مقدمة ، من أن نور العلم
والايمان يشتد حتى ينتهي إلى المشاهدة والعيان ، لكن العلم إذا صار عينا لم
يصر عينا محسوسا ، والمعرفة إذا انقلبت مشاهدة لم تنقلب مشاهدة بصرية
حسية ، لان الحس والمحسوس نوع مضاد للعقل والمعقول ، وليس نسبة أحدهما
إلى الآخر نسبة النقص إلى الكمال ، والضعف إلى الشدة ، بل لكل منهما في
حدود نوعه مراتب في الكمال والنقص لا يمكن لشئ من أفراد أحد
النوعين المتضادين أن ينتهي في مراتب استكمالاته واشتداده إلى شئ من
أفراد النوع الآخر ، فالابصار إذا اشتد لا يصير تخيلا مثلا ، ولا التخيل إذا اشتد
يصير تعقلا ، ولا بالعكس .
نعم إذا اشتد التخيل يصير مشاهدة ورؤية بعين الخيال لا بعين الحس ،
وكثيرا ما يقع الغلط من صاحبه أنه رأى بعين الخيال أم بعين الحس الظاهر ، كما
يقع للمبرسمين والمجانين ، وكذا التعقل إذا اشتد يصير مشاهدة قلبية ورؤية
عقلية لا خيالية ولا حسية ، وبالجملة الاحساس والتخيل والتعقل أنواع
متقابلة من المدارك كل منها في عالم آخر من العوالم الثلاثة ، ويكون تأكد كل
منها حجابا مانعا عن الوصول إلى الآخر .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار 4 : 58 .