شرح
لم يروا الله عز ذكره ، وليس لهم المعرفة من جهة الاكتساب ، فلو لم تكن إيمانا لم
يكن في الدنيا مؤمن ، وإن لم تكن تلك المعرفة التي من جهة الرؤية إيمانا ، أي :
اعتقادا مطابقا للواقع يقينيا وكانت المعرفة الاكتسابية إيمانا ، لم تخل هذه
المعرفة التي من جهة الاكتساب من أن تزول عند المعرفة من جهة الرؤية في
المعاد لتضادهما ، أو لا تزول ، إذ لا بد من أحدهما ، وكل منهما محال .
وأما بيان أن الايمان لا يزول في المعاد بعد الاتفاق والاجتماع عليه ، أن
الاعتقاد الثابت المطابق للواقع الحاصل بالبرهان مع معارضة الوساوس الحاصلة
في الدنيا يمتنع زواله عند ارتفاع الوساوس والموانع ، على أن الرؤية عند
مجوزيها إنما تقع للخواص من المؤمنين والكمل منهم في الجنة ، فلو زال إيمانهم
لزم كون غير المؤمن أعلى درجة من المؤمن ، وكون الأحط مرتبة أكمل من الأعلى
درجة ، وفساده واضح ، وتقرير هذا الدليل على هذا المنوال ذهب إليه
أكثر شراح الكافي ، ومال إليه جماعة من أساتيذنا العظام .
وثانيها : ما قاله الفاضل محمد أمين الأسترآبادي ( 1 ) طاب ثراه ، وتابعه عليه
طائفة من المتأخرين ، وهو : أن المعرفة من جهة الرؤية غير متوقفة على الكسب
والنظر ، والمعرفة في دار الدنيا متوقفة عليه ضعيفة بالنسبة إلى الأولى ، فتخالفتا
مثل الحرارة القوية والحرارة الضعيفة ، فإن كانت المعرفة من جهة الرؤية إيمانا
لم تكن المعرفة من جهة الكسب إيمانا كاملا ، لان المعرفة من جهة الرؤية
أكمل منها ، وإن لم تكن إيمانا يلزم سلب الايمان عن الرائين ، لامتناع اجتماع
هامش
( 1 ) هو الفاضل المحدث المحقق المولى محمد أمين بن محمد شريف الأسترآبادي ، هو أول
من فتح باب الطعن على المجتهدين ، وجعلهم في قبال الأخباريين ، له كتاب الفوائد
المدنية في الرد على القائل بالاجتهاد والتقليد في الأحكام الإلهية ، توفي بمكة سنة
( 1033 ) ه .