عن الحدين حد التعطيل وحد التشبيه 1 ) .
شرح
باب أنه تبارك وتعالى شئ
1 ) أي : يجوز أن يقال لله : إنه شئ ، ويجب أن يخرجه القائل من
الحدين ، وقوله ( يخرجه عن الحدين ) إنشاء في قالب الخبر ، والمراد بحد
التعطيل ، الخروج عن الوجود وعن الصفات الكمالية والعقلية ، وبحد التشبيه ،
الاتصاف بصفات الممكن والاشتراك مع الممكنات في حقيقة الصفات .
إذا عرفت هذا فاعلم أنه - كما قال الفاضل المعتزلي ابن أبي الحديد - لا
شبهة في أن افتقار المتغير إلى المغير ضروري ، والعلم بأن المتغير ليس هو المغير :
إما ضروريا ، أو قريبا منه ، فإذا قد شهدت أعلام الجحود على أن الجاحد
لاثبات الصانع إنما هو جاحد بلسانه لا بقلبه ، لان العقلاء لا يجحدون
الأوليات بقلوبهم وإن كابروا بألسنتهم ، ولم يذهب أحد من العقلاء إلى نفي
الصانع سبحانه .
وأما القائلون بأن العالم وجد عن طبيعته وأن الطبيعة هي المدبرة له ،
والقائلون بتصادم الاجزاء في الخلاء الذي لا نهاية له حتى حصل منها هذا
العالم ، والقائلون بأن أصل العالم وأساس بنيته هو النور والظلمة ، والقائلون
بأن مبادي العالم هي الاعداد المجردة ، والقائلون بالهيولى التي منها حدث
العالم ، والقائلون بعشق النفس الهيولي حتى تكونت منها هذه الأجسام ، فكل
هؤلاء أثبتوا الصانع ، وإنما اختلفوا في ماهيته وكيفية فعله .
وقال قاضي القضاة : إن أحدا من العقلاء لم يذهب إلى نفي الصانع بالكلية ،
ولكن قوما من الوراقين اجتمعوا ووضعوا بينهم مقالة لم يذهب أحد إليها ، وهي
أن العالم قديم لم يزل على هيئته هذه ، ولا إله للعالم ولا صانع أصلا ، وإنما هو
هكذا ما زال ولم يزل من غير صانع انتهى .