مكنون ظلم الدجى ، ولا ما في السماوات العلى والأرضين السفلى ،
لكل شئ منها حافظ ورقيب 1 ) ، وكل شئ منها بشئ محيط
شرح
1 ) أي : هو حافظ ورقيب لها كلها ، أو أنه قرر على كل شئ من يحفظه من
ملائكته إلى وقت فنائه .
هذا واعلم أن الرقيب صفة يشترك بها الخالق والمخلوق ، فان تعدت به
( على ) فهي صفة له عز شأنه . وان تعدت باللام ، فهي من حالات الخلق بالنسبة
إلى الخالق . والمراقبة أحد ثمرات الايمان ، وهي رتبة عظيمة من رتب
السالكين . قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ا عبد الله كأنك تراه ، وان لم تكن تراه فإنه يراك ( 1 ) .
قال الغزالي : وحقيقتها أنها حالة للنفس تثمرها نوعا من المعرفة ، وتثمر
أعمالا في الجوارح والقلب . أما الحالة فهي مراعاة القلب للرقيب . وأما العلم
المثمر لها ، فهو العلم بأن الله مطلع على السرائر ، فهذه المعرفة إذا استولت على
القلب ، فلا بد أن تجذبه إلى مراعاة الرقيب ، والموقنون بهذه المعرفة فهم
الصديقون ، ومراقبتهم التعظيم والاجلال والانكسار من هيبته بحيث لا يبقى
فيه متسع للالتفات إلى الغير أصلا ، وهي مراقبة مقصورة على القلب .
وأما الجوارح ، فإنها تتعطل عن الانتقال إلى المباحات فضلا عن
المحظورات ، ومن هذه المرتبة ، فقد يغفل عن الخلق حتى لا يبصرهم ولا يسمع
أقوالهم ، ومثل هذا بمن يحضر في خدمة ملك ، فان بعضهم قد لا يحسن بما يجري
عليه في حضرة الملك من استغراقه بهيبة . روي أن يحيى بن زكريا عليهما السلام مر
بامرأة فدفعها على وجهها ، فقيل له : لم فعلت بهذا ؟ فقال : ما ظننتها إلا جدارا .
الثانية : مراقبة الورعين من أصحاب اليمين ، وهم قوم غلب بعض اطلاع
هامش
( 1 ) احياء علوم الدين 4 : 397 .