معهم على هذه الحال ، يقابل إساءتهم باللقيا عليهم ، والاحسان إليهم ؟ عملا
بقوله تعالى ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي
حميم ، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) ( 237 ) .
كان النبي صلى الله عليه وآله يومئذ قادرا على دخول مكة وزيارة البيت عنوة ، بدليل
قوله تعالى في هذه الواقعة : ( ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم
لا يجدون وليا ولا نصيرا ) ( 238 ) وقوله فيها أيضا عز من قائل ( وهو الذي
كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد ما أظفركم عليهم ) ( 239 ) .
وكان المشركون على يقين من ظفره عليهم لو قاتلهم صلى الله عليه وآله وقد علموا
بإصرار أصحابه عليه في القتال ، وأنه أبى عليهم ذلك كل الإباء ، إيثارا للسلم
وحسن عواقبه ، وحقنا للدماء ، واحتراما للحرم ، واحتياطا على حرماته ،
وأدركت قريش إشفاقه عليها ، ورعايته لحقوقها الرحيمة منه ، وأنه لذلك
" قبل المهادنة على ما فيها من الشروط القاسية " لم تأخذه الآنفة من صدهم
إياه عن المسجد الحرام ، وإرجاعه - على حافزته بأصحابه رغما لكثير منهم -
إلى المدينة .
وهذا ما كان في نظر قريش كفارة له عما كان في بدر وأحد والأحزاب ،
إذ تجلى يومئذ لهم - بكفه عن قتالهم - أنه غير مسؤول عن شئ من ذلك ،
وإنما المسؤول عن تلك الدماء المسفوكة إنما هم مشائخ قريش كأبي سفيان
وأبي جهل وأضرابهما الذين غزوه - وهو في مهجره الذي فر منه إليه - فاضطروه
إلى دفع عدوانهم عنه وعن أصحابه ، ولو كفوا عنه وعن الذين آووه ونصروه
هامش
( 237 ) سورة فصلت : 34 و 35 .
( 238 ) سورة الفتح : 22 .
( 239 ) سورة الفتح : 24 .