القرآن الحكيم من علم وحكمة ، ونظم اجتماعية ، وسنن وفرائض وآداب
وأخلاق ، ومواعظ وعبر ، وأخبار الأمم الماضية ، والقرون الخالية ، فإذا هؤلاء
أيضا مبشرون - ببطن مكة - ومنذرون ، وقد كان لعملهم هذا أثره العظيم في
تسهيل أمر الفتح ، بلا قتال ولا ممانعة ، والحمد لله .
وهناك من فوائد الصلح ما حصل بمجرد اجتماع المشركين مع رسول الله
صلى الله عليه وآله في الحديبية ، ووقوفهم على هديه وخلقه بإمعان ،
وكان أكثر قريش - إذ ذاك - لا يعرفون منهما شيئا ، ولا سيما شبابهم ، إذ كان
أبو جهل والوليد وأبو سفيان وشيبة وعتبة وأمثالهم من مشيخة الأوثان والجاهلية
أرجفوا برسول الله صلى الله عليه وآله وتسنى لهم تسميم الرأي العام الجاهلي فيه ، وقد
أجلبوا عليه بكل ما لديهم من حول وطول ، وبكل ما يستطيعونه من فعل وقول ،
ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره .
قصدوه وهو في دار هجرته محاربين ليقتلوه وأصحابه ، وليستأصلوا شأفة
الذين آووه ونصروه بغيا وعدوانا ، فنصره الله عليهم في بدر وأحد والأحزاب
( فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ) ( 236 ) .
لكن ظل أهل مكة - بعد هذه الحروب - على ضلال رأيهم المسموم في
رسول الله صلى الله عليه وآله إذ لم تره أعينهم بعد الهجرة ، ولم يبلغهم عنه إلا ما سمعوه
من أولئك المرجفين ، فلما كان يوم الحديبية ، واختلطوا به وبأصحابه ، رأوا
منه خلقا عظيما .
كانوا كلما تبغضوا إليه بجفاء وسوء صنع ، تحبب إليهم بحنو وعاطفة
وحسن صنع ، فإذا قسوا وأغلظوا له لأن وخفض لهم جناح الرحمة ، مستمرا
هامش
( 236 ) سورة الأنعام : 45 .