فأخذاه وأدخلاه فسطاطا وكفا أباه عنه . ثم قال سهيل : يا محمد قد تمت القضية
ووجبت بيني وبينك قبل أن يأتي ابني إليك . قال : صدقت . وحينئذ قال صلى الله عليه وآله
لأبي جندل . اصبر واحتسب فقد تم الصلح قبل أن تأتي ، ونحن لا نغدر وقد
تلطفنا بأبيك فأبى ، وأن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا .
وهنا وثب عمر بن الخطاب إلى أبي جندل يغريه بقتل أبيه ، ويدني إليه
السيف . قال عمر - كما في السيرة الدحلانية وغيرها - . رجوت أن يأخذ
السيف فيضرب به أباه وجعل يقول له : أن الرجل يقتل أباه ، والله لو أدركنا
آباءنا لقتلناهم ، لكن أبا جندل لم يجبه إلى قتل أبيه خشية الفتنة ( 1 ) وعملا بما
أمره به رسول الله صلى الله عليه وآله من الصبر والاحتساب ( 2 ) وقال لعمر . مالك لا تقتله
أنت ؟ قال عمر . نهانا رسول الله عن قتله وقتل غيره ( 3 ) فقال أبو جندل . ما أنت
أحق بطاعة رسول الله مني ( 4 ) .
ورجع مع أبيه إلى مكة في جوار مكرز وحويطب فأدخلاه مكانا وكفا
هامش
( 1 ) إذ لو قتل يومئذ سهيل لكان بين قريش والمسلمين فتنة تجتاحهما جميعا ويكون
شرها مستطيرا فالحمد لله على العافية ( منه قدس ) .
( 2 ) لا يخفى ما في إغراء أبي جندل بقتل أبيه من المعارضة لرسول الله صلى الله عليه وآله في
أمره إياه بالصبر والاحتساب ( منه قدس ) .
( 3 ) لا يخفى ما في إغراء أبي جندل بقتل أبيه من معارضة رسول الله صلى الله عليه وآله في نهيه
إياهم عن قتل سهيل وغيره ، فهنا معارضتان لرسول الله صلى الله عليه وآله إحداهما في أمره ، والثانية
في نهيه ( منه قدس ) .
( 4 ) ولأبي جندل هذا أخ هو عبد الله بن سهيل بن عمر ، كان إسلامه سابقا على
إسلام شقيقه أبي جندل ، لأن عبد الله خرج مع المشركين إلى بدر ، وكان قبل ذلك مسلما
لكنه كتم إسلامه حتى أتى بدرا فانحاز فيها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وشهد معه بدرا
والمشاهد كلها ، أما أبو جندل فأول مشاهده الفتح ( منه قدس ) .