إذا لقوك تملقوك ، وإذا غبت عنهم سلقوك ، من أتاك منهم كان عليك رقيبا ،
وإذا خرج منك كان عليك خطيبا ، أهل نفاق وتهمة ، وأصحاب غل وخديعة
لا تغر باجتماعهم عليك ، فما غرضهم العلم والكمال والحال ، بل الجاه والمال
وأن يتخذوك سلما لأوطارهم ، وحمارا في أثقالهم وأوزارهم ، ان قصرت في
غرض من أغراضهم كانوا أشد أعوان عليك ، ويرون ترددهم إليك حقا واجبا
لديك ، ويتوقعون منك أن تبذل عرضك ودينك لهم ، فتعادي عدوهم ، وتنصر
قرينهم وخليلهم ، وتنتهض لهم سفيها ، وتكون لهم تابعا خسيسا ، بعد أن
كنت متبوعا ورئيسا ، ولذلك قيل : اعتزال العامة مروءة تامة ، وهو كلام
حق ، لأنا نرى المدرسين في زماننا كأنهم في رق دائم ، وتحت حق لازم ،
ذمته ثقيلة ممن يتردد إليه ، فكأنه يهدي تحفة لديه ، وربما لا يختلف عليه
في الأدوار حتى يتكلف برزق له على الأوزار ، ثم المدرس المسكين ، والمولى
الضعيف الدين ، لعجزه عن القيام بذلك من ماله لا يزال يتردد إلى أبواب
المتسلطين ، ويقاسي الشدائد والذل ، مقاساة الذليل المهين ، حتى يكتب له
بعد الابرام التام ، على بعض وجوه السحت مال حرام ، ثم يبقى في مخمصة
القسمة على الأصحاب ، والتوزيع على الكلاب ، ان سوى بينهم مقته المبرزون
ونسبوه إلى الحمق والجهالة والقصور عن درك المصارف ، والفتور عن
القيام في مقادير الحقوق بالعدل ، وان فرق بينهم سلقه السفهاء بألسنة حداد
وثاروا عليه ثورة الأسد والآساد ، فلا يزال في عناء ومشقة في الدنيا ، ومظالم
مما يأخذه في العقبى ، والعجب منه انه مع ذلك كله والداء جله ، يزعم أنه
فيما يفعله مريد لوجه الله ، ومذيع شرع رسول الله ، وناشر علم دين الله ،
وقائم بكفاية طلاب العلم ، ولو لم يكن مضحكة للشيطان ، وسخرة لإخوان
الزمان ، يعلم أن فساد الزمان لا سبب له الا كثرة أمثال أولئك الأشخاص في
هذا الأوان .
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة — صفحة 47
مساهمون: الشيخ محمد باقر المحمودي
ص٤٧