الله علم كتابه واستحفظه الحكم فيه ( 89 ) ( فإنما اختلاف
القضاة في دخول البغي بينهم ، واكتفاء كل امرئ
منهم برأيه دون من فرض الله ولايته ( و ) ليس يصلح
اللين ولا أهل الدين على ذلك ، ولكن على الحاكم
أن يحكم بما عنده من الأثر والسنة ، فإذا أعياه ذلك
رد الحكم إلى أهله ( 90 ) فإن غاب أهله عنه ناظر
غيره من فقهاء المسلمين ، ليس له ترك ذلك إلى
غيره ، وليس لقاضيين من أهل الملة ، أن يقيما على
اختلاف في حكم دون ما رفع ذلك إلى ولي الأمر
فيكم ( 91 ) فيكون هو الحاكم بما علمه الله ، ثم
هامش
( 89 ) أي طلب منه أن يحفظ الحكم في كتابه ولا ينساه ولا يغفل عنه ،
وكأنه من قولهم : ( استحفظه مالا أو سرا ) : طلب منه وسأله أن يحفظه .
( 90 ) ( فإذا أعياه ذلك ) أي إذا أتعبه الحكم بالأثر والسنة ، وصار عاجزا
وكليلا عن الحكم بالسنة - أو الكتاب أو هما معا ، اما لعدم دليل من الكتاب
والسنة على الحكم الذي ابتلى به القاضي ، أو ان الدليل موجود ولكن غير واضحة
الدلالة بل هو مجمل ، أو أن دلالته واضحة ، ولكن الدليل معارض بمثله ففي
جميع الصور - يرد - الحكم ويرفع القضية إلى أهله وهو الامام الذي جعله الله
مهيمنا على أحكامه .
( 91 ) ولا بد لولي الأمر الذي يرفع إليه الحكم أن يكون ممن أظهر الله على
حكمه بماله عند الله تعالى من الخصوصية ، والا فلا وجه لرفع القضية إليه ،
والرجوع إلى حكمه فيها ، لأنه على هذا الفرض - : كون ولي الأمر أيضا
جاهلا بالحكم - يكون من قبيل رجوع الجاهل إلى مثله ، فلو كان هذا مرخوصا
فيه محق الدين ، واضمحل الشرع من أساسه .