ألا وقد أمعنتم في البغي ( 1 ) ، وأفسدتم في الأرض مصارحة لله
بالمناصبة ، ومبارزة للمؤمنين بالمحاربة . فالله الله في كبر الحمية وفخر
الجاهلية . فإنه ملاقح الشنآن ( 2 ) ومنافخ الشيطان التي خدع بها
الأمم الماضية ، والقرون الخالية . حتى أعنقوا في حنادس جهالته ( 3 ) ،
ومهاوي ضلالته ، ذللا على سياقه ، سلسا في قياده . أمرا تشابهت القلوب
فيه ، وتتابعت القرون عليه . وكبرا تضايقت الصدور به
ألا فالحذر الحذر من طاعة ساداتكم وكبرائكم الذين تكبروا
عن حسبهم ، وترفعوا فوق نسبهم ، وألقوا الهجينة على ربهم ( 4 ) ،
وجاحدوا الله ما صنع بهم . مكابرة لقضائه ، ومغالبة لآلائه ( 5 ) .
فإنهم قواعد أساس العصبية . ودعائم أركان الفتنة ، وسيوف اعتزاء
الجاهلية ( 6 ) . فاتقوا الله ولا تكونوا لنعمه عليكم أضدادا ، ولا لفضله
شرح
( 1 ) أمعنتم : بالغتم . والمصارحة : التظاهر ( 2 ) الملاقح - جمع ملقح كمكرم -
الفحول التي تلقح الإناث وتستولد الأولاد . والشنآن البغض ( 3 ) أعنقوا : من أعنقت
الثريا غابت ، أي غابوا واختفوا . والحنادس - جمع حندس - بكسر الحاء الظلام الشديد .
والمهاوي - جمع مهواة - الهوة التي يتردى فيها الصيد . والذلل - جمع ذلول - من الذل
بالضم ضد الصعوبة . والسياق هنا السوق . والسلس - بضمتين - جمع سلس - ككتف -
السهل . والقياد من أمام كالسوق من خلف ( 4 ) الهجينة : الفعلة القبيحة . والتهجين :
التقبيح أي أنهم باحتقار غيرهم من الناس قبحوا خلق الله لهم ( 5 ) الآلاء : النعم
( 6 ) اعتزاء الجاهلية : تفاخرهم بأنسابهم كل منهم يعتزي أي ينتسب إلى أبيه وما فوقه