جحد المقدر وأنكر المدبر . زعموا أنهم كالنبات ما لهم زارع ،
ولا لاختلاف صورهم صانع . ولم يلجأوا إلى حجة فيما ادعوا ( 1 ) ،
ولا تحقيق لما أوعوا . وهل يكون بناء من غير بان ، أو جناية من
غير جان . وإن شئت قلت في الجرادة إذ خلق لها عينين حمراوين .
وأسرج لها حدقتين قمراوين ( 2 ) . وجعل لها السمع الخفي ، وفتح لها
الفم السوي ، وجعل لها الحس القوي ، ونابين بهما تقرض ، ومنجلين
بهما تقبض ( 3 ) يرهبها الزراع في زرعهم ، ولا يستطيعون ذبها ( 4 ) .
ولو أجلبوا بجمعهم ، حتى ترد الحرث في نزواتها ( 5 ) ، وتقضي منه
شهواتها . وخلقها كله لا يكون إصبعا مستدقة
فتبارك الله الذي يسجد له من في السماوات والأرض طوعا وكرها ،
ويعنو له خدا ووجها ، ويلقي إليه بالطاعة سلما وضعفا ، ويعطي له
القياد رهبة وخوفا . فالطير مسخرة لأمره . أحصى عدد الريش منها
والنفس ، وأرسى قوائمها على الندى واليبس ( 6 ) . وقدر أقواتها ، وأحصى
شرح
( 1 ) لم يلجأوا : لم يستندوا . وأوعاه - كوعاه - بمعنى حفظه ( 2 ) أي مضيئتين كأن كلا منهما ليلة
قمراء أضاءها القمر ( 3 ) المنجل - كمنبر - آلة من حديد معروفة يقضب بها الزرع . قالوا
أراد بهما هنا رجليها لاعوجاجهما وخشونتهما ( 4 ) دفعها ( 5 ) وثباتها ، نزا عليه :
وثب ( 6 ) المراد من الندى هنا مقابل اليبس بالتحريك فيعم الماء ، كأنه يريد أن