تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهج البلاغة — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
جحد المقدر وأنكر المدبر . زعموا أنهم كالنبات ما لهم زارع ، ولا لاختلاف صورهم صانع . ولم يلجأوا إلى حجة فيما ادعوا ( 1 ) ، ولا تحقيق لما أوعوا . وهل يكون بناء من غير بان ، أو جناية من غير جان . وإن شئت قلت في الجرادة إذ خلق لها عينين حمراوين . وأسرج لها حدقتين قمراوين ( 2 ) . وجعل لها السمع الخفي ، وفتح لها الفم السوي ، وجعل لها الحس القوي ، ونابين بهما تقرض ، ومنجلين بهما تقبض ( 3 ) يرهبها الزراع في زرعهم ، ولا يستطيعون ذبها ( 4 ) . ولو أجلبوا بجمعهم ، حتى ترد الحرث في نزواتها ( 5 ) ، وتقضي منه شهواتها . وخلقها كله لا يكون إصبعا مستدقة فتبارك الله الذي يسجد له من في السماوات والأرض طوعا وكرها ، ويعنو له خدا ووجها ، ويلقي إليه بالطاعة سلما وضعفا ، ويعطي له القياد رهبة وخوفا . فالطير مسخرة لأمره . أحصى عدد الريش منها والنفس ، وأرسى قوائمها على الندى واليبس ( 6 ) . وقدر أقواتها ، وأحصى
شرح
( 1 ) لم يلجأوا : لم يستندوا . وأوعاه - كوعاه - بمعنى حفظه ( 2 ) أي مضيئتين كأن كلا منهما ليلة قمراء أضاءها القمر ( 3 ) المنجل - كمنبر - آلة من حديد معروفة يقضب بها الزرع . قالوا أراد بهما هنا رجليها لاعوجاجهما وخشونتهما ( 4 ) دفعها ( 5 ) وثباتها ، نزا عليه : وثب ( 6 ) المراد من الندى هنا مقابل اليبس بالتحريك فيعم الماء ، كأنه يريد أن