الغيوب متخلصة إليه سبحانه فرجعت إذ جبهت ( 1 ) معترفة بأنه
لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته ( 2 ) ولا تخطر ببال أولي الرويات
خاطرة من تقدير جلال عزته ( 3 ) الذي ابتدع الخلق على غير مثال
امتثله ( 4 ) ولا مقدار احتذى عليه من خالق معهود كان قبله . وأرانا
من ملكوت قدرته ، وعجائب ما نطقت به آثار حكمته ، واعتراف
الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قدرته ما دلنا باضطرار قيام الحجة
له على معرفته ( 5 ) وظهرت في البدائع التي أحدثها آثار صنعته وأعلام
شرح
وبلغت في الخفاء والدقة إلى حد لا يبلغه الوصف ( 1 ) ردعها الخ جواب للشرط في
قوله إذا ارتمت الخ . وردعها كفها وردها ، والمهاوي المهالك ، والسدف بضم ففتح
جمع سدفة وهي القطعة من الليل المظلم ، وجبهت من جبهه إذا ضرب جبهته والمراد
ردت بالخيبة ( 2 ) الجور العدول عن الطريق ، والاعتساف سلوك على غير جادة وسلوك
العقول في أي طريق طلبا لاكتناه ذاته وللوقوف على ما لم تكلف الوقوف عليه من
كيفية صفاته يعد جورا وعدولا عن الجادة ، فإن العقول الحادثة ليس في طبيعتها
ما يؤهلها للإحاطة بالحقائق الأزلية ، اللهم إلا ما دلت عليه الآثار وذلك هو الوصف الذي
جاء في الكتاب والسنة ، وكنه معرفته نائب فاعل ينال ( 3 ) الرويات جمع روية
الفكر ( 4 ) ابتدع الخلق أوجده من العدم المحض على غير مثال سابق امتثله أي
حاذاه ، ولا مقدار سابق احتذى عليه أي قاس وطبق عليه ، وكان ذلك المثال أو المقدار
من خالق معروف سبقه بالخلقة أي لم يقتد بخالق آخر في شئ من الخلقة إذ لا خالق
سواه ( 5 ) المساك كسحاب - ويكسر - ما به يمسك الشئ كالملاك ما به يملك " إن الله
يمسك السماوات والأرض أن تزولا " وقد جعل الحاجة الظاهرة من المخلوقات إلى
إقامة وجودها بما يمسكها من قوته بمنزلة الناطق بذلك المعترف به ، وقوله باضطرار