وشتمه القوم ، فزجرهم معاوية ، وقال : مهلا فرب يوم ارتفع عن الأسباب قد
ضقتم به درعا ، ثم قال : أتعرف هؤلاء يا أبا الطفيل ؟ قال : ما أنكرهم من سوء ،
ولا أعرفهم بخير ، وأنشد شعرا :
فإن تكن العداوة قد أكنت * فشر عداوة المرء السباب
فقال معاوية : يا أبا الطفيل ما أبقى لك الدهر من حب علي ؟ قال : حب
أم موسى ، وأشكو إلى الله التقصير .
فضحك معاوية وقال : ولكن والله هؤلاء الذين حولك لو سئلوا عني ما
قالوا هذا ، فقال مروان : أجل والله ، لا نقول الباطل ( 1 ) .
هامش
( 1 ) راجع الإمامة والسياسة : ج 1 / 165 ، والغدير : ج 9 / 139 عنه ، وعن المروج ، وتاريخ ابن عساكر :
ج 7 / 201 ، والاستيعاب في الكنى ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي : ص 133 أقول : قد مر ج 1 ص 248 عن
العقد والمروج وغيرهما ، وتوجد في صفين لنصر : ص 554 على اختلاف ألفاظ الروايات وزاد نصر في
آخرها : ثم قال معاوية : هو الذي يقول - يعني أبا لطفيل - : ( إلى رجب السبعين تعرفونني مع السيف
في خيل وأحمي عديدها ) وقال معاوية : يا أبا الطفيل ، أجزها ، فقال أبو الطفيل :
زحوف كركن الطود كل كتيبة * إذا استمكنت منها يفل شديدها
كأن شعاع الشمس تحت لوائها * بها ينصر الرحمان ممن يكيدها
لها سرعان من رجال كأنها * دواهي السباع نمرها وأسودها
يمورون مور الموج ثم ادعاؤهم * إلى ذات أنداد كثير عديدها
إذا نهضت مدت جناحين منهم * على الخيل فرسان قليل صدودها
كهول وشبان يرون دماءكم * طهورا وثارات لها تستقيدها
كأني أراكم حين تختلف القنا * وزالت بأكفال الرجال لبودها
ونحن نكر الخيل كرا عليكم * كخطف عتاق الطير طيرا تصيدها
إذا نعيت موتى عليكم كثيرة * وعيت أمور غاب عنكم رشيدها
هنالك النفس تابعة الهدى * ونار إذا ولت وأز شديدها
فلا تجزعوا إن أعقب الدهر دولة * وأصبح منآكم قريبا بعيدها
فقالوا : نعم ، قد عرفناه ، هذا أفحش شاعر ، وألام جليس ، فقال معاوية : يا أبا الطفيل ، أتعرف
هؤلاء ؟ قال : ما أعرفهم بخير ولا أبعدهم من شر . فأجابه أيمن بن خريم الأسدي :
إلى رجب أو عرة الشهر بعده * يصبحكم حمر المنايا وسودها
ثمانين ألفا دين عثمان دينهم * كتائب فيها جبرئيل يقودها
فمن عاش عبدا عاش فينا ومن يمت * ففي النار يسقى ، مهلها وصديدها