المسلمين ، وأنا أعلم بهذه الفتن ، إنها إذا أقبلت شبهت وإذا أدبرت أسفرت ،
إني أخاف عليكم أن يلتقي غاران منكم فيقتتلا ثم يتركا كالأحلاس الملقاة
بنجوة من الأرض ، ثم يبقى رجرجة من الناس لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر .
إنها قد جاءتكم فتنة كافرة ، لا يدرى من أين تؤتى ، تترك الحليم حيران ،
كأني أسمع رسول الله صلى الله عليه وآله بالأمس يذكر الفتن ، فيقول :
" أنت فيها نائما خير منك قاعدا ، وأنت فيها جالسا خير منك قائما ، وأنت فيها
قائما خير منك ساعيا " فثلموا سيوفكم ، وقصفوا رماحكم وانصلوا سهامكم ،
وقطعوا أوتاركم ، وخلوا قريشا ترتق فتقها وترأب صدعها ، فإن فعلت فلأنفسها
ما فعلت ، وإن أبت فعلى أنفسها ما جنت سمنها في أديمها ، استنصحوني ولا
تستغشوني ، وأطيعوني ولا تعصوني ، يتبين لكم رشدكم ، ويصلى هذه الفتنة من
جناها .
فقام إليه عمار بن ياسر فقال : أنت سمعت رسول الله صلى الله عليه
وآله يقول ذلك ؟
قال : نعم هذه يدي بما قلت .
فقال : إن كنت صادقا فإنما عناك بذلك وحدك واتخذ عليك الحجة
فالزم بيتك ولا تدخلن في الفتنة ، أما أني أشهد أن رسول الله صلى الله عليه
وآله أمر عليا بقتال الناكثين وسمى له فيهم من سمى ، وأمره بقتال
القاسطين ، وإن شئت لأقيمن لك شهودا يشهدون أن رسول الله صلى الله
عليه وآله إنما نهاك وحدك وحذرك من الدخول في الفتنة ، ثم قال له : أعطني
يدك على ما سمعت ، فمد إليه يده ، فقال له عمار : غلب الله من غالبه
وجاهده ، ثم جذبه ، فنزل عن المنبر ( 1 ) .
هامش
( 1 ) شرح النهج لابن أبي الحديد : ج 14 ص 14 - 15