وبالتالي وإذا بهذا الفدائيّ الأوّل في تاريخ الإسلام يُقصى عن مركزه الطبيعي في قيادة هذه الأمّة التي تتسَلسل في أيدي غيره ، حتّى تصل بعد ربع قرن أو يزيد ، إلى الطلقاء وأولاد الطلقاء ، الذين سخّروا منابر الإسلام ومنائره ألف شهر لسبّ عليّ والانتقاص منه ، فكانت هذه المنابر والمنائر التي أقامها جهاد عليّ وأشادتها تضحياته وإخلاصه أشدّ من ظلم عليّاً وأنكر فضله واستباح حرمته .
وبالرغم من كلّ ما لاقاه هذا الإمام العظيم من غَبن وحَيف وظلم ، فإنّه كان مستقرّ النفس مطمئن الضمير ثابت اليقين ; لأنّه لم يعمل لأجل أمجاد الأرض وثناء هذه الأرض ، وإنّما عمل لأجل أمجاد السماء ورضوان من الله أكبر ، ولهذا خرّ صريعاً في بيت ربّه وهو يقول : " فُزت وربّ الكعبة " ولو كان يعمل لأمجاد الأرض لكان أتعس إنسان عليها .
ولئن تعدّدت مظاهر المظلومية لهذا الإمام الممتحن ، فلقد امتدّت بعض هذه المظاهر إلى مجالات البحث العلمي أيضاً ، فلم يجد التراث العظيم الذي خلّفه هذا الإمام ما يستحقّ من ضبط واستيعاب وتنويه من قبل الباحثين .
بينما سُلِّطَت الأضواء على ما أثر عن آخرين ممّن ليس لهم مثل عطاء الإمام وغزارة حكمته ، حتّى بأن ختم جملة من أرباب الحديث أن ليس للإمام عليّ صلوات الله عليه إلاّ خمسمائة حديث فقط وألّفت مسانيد جمّة : كمسند أحمد بن حنبل ، ومسند أبي داود ، ومسند أبي عاصم الشيباني ، ومسند محمّد بن يحيى المدني ، ومسند يعقوب الدوسي ، ومسند أبي هريرة ، ومسند القرطبي ، ومسند أبي حنيفة ، ومسند الحافظ بن أبي شيبة ، إلى كثير وكثير من تلكم المسانيد ، وقد استعرض أربابها نزراً يسيراً من أحاديث الإمام عليّ صلوات الله عليه لم يتجاوز تقديرهم لها عن بضع مئات ، وأغفلوا الجزء الأكبر من تراثه الشريف ، ولم يؤدّوا بذلك الأمانة العلمية ، مع العلم بأنّ أحاديثه صلوات الله عليه قد بلغت عدداً أكبر لا يبلغه
مسند الإمام علي ( ع ) — صفحة 8
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٨