على الأرض بدم عليّ وعَرَق عليٍّ ، وتضحيات عليٍّ ، دولة تناطح السحاب .
أجل إن كان للتضحية الإنسانية - الفاضلة - كتاب ، فأعمال علي صلوات الله عليه عنوان لذلك الكتاب المشعّ بأضواء الخلود ، وإن كان لمبادئ السماء التي جاء بها محمّد ( صلى الله عليه وآله ) تعبير عملي على وجه الأرض ، فعليّ هو تعبيرها الحيّ على مدى الدهر والأجيال ، وإن كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد خلّف في أمّته علياً والقرآن ، فإنّما جمع بينهما ليكون القرآن تفسيراً لفظياً لمعاني عليّ العظيم ، ولتكون معاني عليّ أنموذجاً لمثل القرآن الكريم ، وإن كان الله تعالى قد جعل عليّاً نفس رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في آية المباهلة ، فلأجل أن يفهم المسلمون أنّه امتداد طبيعي لمحمّد ( صلى الله عليه وآله ) وشعاع متألّق من روحه العظيمة .
وإن كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد خرج من مكة مهاجراً خائفاً على نفسه ، وخلّف عليّاً على فراشه ليموت بدلا عنه ، فمعنى ذلك أنّ المبدأ المقدّس هو الذي كان يرسم للعظيمين خيوط حياتهما ، وإن كان لا بدّ للقضية الإلهيّة من شخص تَظهر به ، وآخر يموت في سبيلها ، فيلزم أن يبقى رجلها الأول لتحيى به ، ويقدم رجلها الثاني نفسه قرباناً لتحيى به أيضاً .
وإن كان عليّ هو الذي أباحت له السّماء خاصّة النوم في المسجد والدخول فيه جنباً ، فمفهوم هذا الإختصاص أنّ في معانيه معنى المسجد ; لأنّ المسجد رمز السّماء الصامت في دنيا المادّة ، وعليّ هو الرمز الإلهيّ الحيّ في دنيا الروح والعقيدة .
وإن كانت السماء قد امتدحت فتوّة عليّ وأعلنت عن رضاها عليه إذ قال المنادي : " لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ عليّ " فإنّها عنت بذلك أنّ فتوّة عليّ وحدها هي القوّة المعدّة لتركيز العقيدة القرآنية على وجه الأرض ، وأنّها وحدها هي الرجولة الكاملة التي لا يرتفع إلى مداها إنسان ، ولا ترقى إلى أفقها بطولة الأبطال وإخلاص المخلصين .
مسند الإمام علي ( ع ) — صفحة 7
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٧