تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 630

مساهمون:

ص٦٣٠
وفي حديث أبي رزين المشهور الذي رواه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في رؤية الرب تعالى ، فقال له أبو رزين كيف يسعنا وهو شخص واحد ونحن جميع ، فقال : « سأنبئك بمثل ذلك في آلاء اللّه : هذا القمر آية من آيات اللّه ، كلكم يراه مخليا به ، فاللّه أكبر من ذلك » « 1 » . ومن المعلوم أن من توجه إلى القمر وقدر مخاطبته له فإنه لا يتوجه إليه إلا بوجهه مع كونه فوقه ، ومن الممتنع في الفطرة أن يستدبره ويخاطبه مع قصده له ، وكذلك إذا قام إلى الصلاة فإنه يستقبل ربه هو فوقه فيدعوه من تلقائه لا عن يمينه ولا عن يساره ، ويدعوه من العلو لا من السفل . وقد ثبت في « الصحيحين » عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم أبصارهم » « 2 » واتفق العلماء على أن رفع البصر إلى السماء للمصلي منهي عنه . روى أحمد عن محمد بن سيرين أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يرفع بصره في الصلاة إلى السماء حتى أنزل اللّه
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ
( المؤمنون : 1 ، 2 ) فكان بصره لا يجاوز موضع سجوده . فهذا مما جاءت له الشريعة تكميلا للفطرة ، لأن الداعي السائل الّذي أمر بالخشوع وهو الذل والسكون لا يناسب حاله أن ينظر إلى ناحية من يدعوه ويسأله ، بل يناسبه الإطراق وخفض بصره أمامه ، فليس في هذا النهي ما ينفي كونه فوق سماواته على عرشه كما زعم بعض جهال الجهمية ، فإنه لا فرق عندهم بين تحت التحت والعرش بالنسبة إليه ، ولو كان كذلك لم ينه عن رفع بصره إلى جهة ، ويؤمر برده إلى غيرها ، لأن الجهتين عند الجهمية سواء بالنسبة إليه . وأيضا فلو كان الأمر كذلك لكان النهي ثابتا في الصلاة وغيرها وقد قال تعالى :
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ
( البقرة : 144 ) فليس العبد منهيا
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه وفي إسناده مقال . ( 2 ) رواه مسلم ( 428 ) .