تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 527

مساهمون:

ص٥٢٧
يقولوا لقائل عملت كذا وكذا بيدي : هو بمعنى النعمة إذا كان اللّه خاطب العرب بلغاتها وما تجده مفهوما في كلامها ومعقولا في خطابها ، وإذ لا يجوز في خطابها أن يقول القائل فعلت بيدي ويعني النعمة ، بطل أن يكون معنى بيدي النعمة - وساق الكلام في إنكار هذا التأويل وأطاله جدا وقرر أن لفظ اليدين على حقيقته وظاهره ، وبين أن اللغة التي أنزل بها القرآن لا تحتمل ما تأولت الجهمية . وقال لسان أصحابه وأجلهم ابن الطيب في كتاب « التمهيد » وهو أشهر كتبه : فإن قال القائل فما الحجة في أن للّه وجها ويدين ( قيل له ) قوله تعالى :
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
وقوله :
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
، فأثبت لنفسه وجها ويدين ، فإن قالوا : بم أنكرتم أن يكون المعنى خلقت بيدي إنه خلقه بقدرته أو بنعمته ، لأن اليدين في اللغة تكون بمعنى النعمة وبمعنى القدرة ، كما يقال لفلان عندي يد بيضاء ، وهذا شيء في يد فلان وتحت يده ، ويقال رجل أيد إذا كان قادرا ، كما قال تعالى :
خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً
يريد عملنا بقدرتنا وقال الشاعر :
إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين
وكذلك قوله :
خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
يعني بقدرته ونعمته ، قال : فيقال له هل هذا باطل إذ قوله ( بيدي ) يقتضي إثبات يدين هما صفة له ، فلو كان المراد بهما القدرة لوجب أن يكون له قدرتان ، وأنتم تزعمون أن للّه تعالى قدرة واحدة ، فكيف يجوز أن يجوز أن تثبتوا قدرتين ، وقد أجمع المسلمون المثبتون للصفات والنافون لها على أنه لا يجوز أن يكون للّه تعالى قدرتان ، فبطل ما قلتم . وكذلك لا يجوز أن يكون خلق اللّه آدم بنعمتين ، لأن نعم اللّه تعالى على آدم وغيره لا تحصى ، لأن القائل لا يجوز أن يقول رفعت الشيء أو وضعته بيدي أو توليته بيدي وهو يريد نعمته ، وكذلك لا يجوز أن يقال لي عند فلان يدان يعني نعمتين ، وإنما يقال لي عنده يدان بيضاوان ، ولأن فعلته بيدي لا يستعمل إلا في اليد التي هي صفة الذات . ويدل على فساد تأويلهم أيضا أنه لو كان الأمر على ما قالوه لم يغفل عن ذلك
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 527 | ابن قيم الجوزية / محمد بن الموصلي