تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
جعلت على قولها دليلا يعقل السامع كلامها أنها تريد باليد النعمة ، ولا تجعل كلامها مشتبها على سامعه . ومن ذلك قول الشاعر : ناولت زيدا بيدي عطية فدل بهذا القول على يد الذات بالمناولة ، وبالياء حين قال : بيدي ، فجعل الياء استقصاء للعدد حين لم يكن له غير يدين ، وقال الآخر حين أراد يد النعمة .
اشكر يدين لنا عليك وأنعما * شكرا يكون مكافئا للمنعم
فدل على يد النعمة بقوله : ( لنا عليك ) ثم قال : ( وأنعما ) ثم قال : ( يدين ) فجعل النون مكان الياء ، لم يستقص بهما العدد ، فهذا قول العرب ومذهبها في لغاتها . واللّه تعالى لم يسم في كتابه يدا بنعمة ؛ ولم يسم نعمة يدا . سمى اللّه سبحانه اليد يدا والنعمة نعمة في جميع القرآن . فأما ما ذكره سبحانه من يديه ويده فقد ذكرت ذلك في صدر هذا الكلام . وأما النعمة التي هي غير اليد فمن ذلك قوله :
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
( البقرة : 231 ) وقوله :
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
( النحل : 53 ) وقوله :
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
( المائدة : 3 ) وقوله :
وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ
( الأحزاب : 37 ) فسمى اللّه تعالى النعم باسم النعمة ولم يسمها بغير أسمائها . ومثل هذا في القرآن كثير ، وذكر تعالى أيدي المخلوقين فسماها بالأيدي ، فقال تعالى :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ
( الإسراء : 29 ) ، وقال تعالى : و
السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
( المائدة : 38 ) وقال :
وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ
( الأنعام : 93 ) فهذه أيد لا نعمة ، وذكر نعمته على زيد ونعمة النبي صلى اللّه عليه وسلم عليه فسماها نعمة لم يسمها يدا ، ثم أخبر سبحانه عن يديه إنها يدان لا ثلاثة ، وجعل الياء استقصاء للعدد حين قال :
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
( ص : 75 ) فدل على أنهما يدا الذات ، لا يتعارف العرب في لغاتها ولا أشعارها إلا أن هاتين اليدين يدا الذات