تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 525

مساهمون:

ص٥٢٥
لاستقصاء العدد بالياء . وأما نعم اللّه فهي أكثر وأعظم من أن تحصر أو تعد ، قال اللّه تعالى :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
( إبراهيم : 34 ) قال : اعلم رحمك اللّه أن قائل هذه المقالة جاهل بلغة القرآن وبلغة العرب ومعانيها وكلامها وذلك أن اللّه إذا افتتح الخبر عن نفسه بلفظ الجمع ختم الكلام بلفظ الجمع ، وإذا افتتح الكلام بلفظ الواحد ختم الكلام بلفظ الواحد ، وإنما يعني الخبر عن نفسه وإن كان اللفظ جمعا ، فأما ما كان من لفظ الواحد فهو قوله تعالى :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
( الإسراء : 23 ) فامتنح الخبر عن نفسه بلفظ الواحد ، ويمثله ختم الكلام فقال
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
وقال :
وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
( الإسراء : 24 ) وقال :
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ
( الإسراء : 54 ) أما ما افتتحه بلفظ الجمع فهو قوله :
وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ
( الإسراء : 4 ) فافتتحه بلفظ الجمع ثم ختمه بمثل ما افتتحه به فقال :
فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا
( الإسراء : 5 ) وإنما عنى بذلك نفسه لأنها كلمة ملوكية تقولها العرب . ( وروي ) أن ابن عباس لقي أعرابيا ومعه ناقة فسأله لمن هذه ؟ فقال الأعرابي : لنا ، فقال له ابن عباس كم أنتم ؟ فقال أنا واحد ، فقال ابن عباس هكذا قول اللّه تعالى نحن وخلقنا ، وقضينا ، إنما يعني نفسه والمبهم يرد إلى المحكم ، فكل كلمة في القرآن من لفظ جمع قبلها محكم من التوحيد ترد إليه ، فمن ذلك قوله :
وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ
يرد إلى قوله :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
وقوله :
وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً
يرد إلى قوله :
إِنَّما أَمْرُهُ
وقوله :
لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ
وكذلك قوله :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً
يرد إلى قوله :
لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
فلما افتتح الكلام بلفظ الجمع فقال
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ
قال
أَيْدِينا
ولما افتتح بقوله :
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
ختم الكلام على ما افتتحه به ، فهذا بيان لقوم يفقهون .