قد أمروا في الإنجيل بالصفح والإعراض عن مكافاة الناس على الأذى وكانوا متوادّين متحابّين بينهم ووصفوا بالرحمة خلاف اليهود الَّذين وصفوا بالقسوة .
* ( [ وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ] ) * ورهبانيّة منصوب بفعل مضمر يفسّره الظاهر أي أتباع عيسى ابتدعوا الترهّب وحملوا أنفسهم على هذا الأمر واستحدثوها بينهم والرهبانيّة المبالغة في العبادة بمواصلة الصوم ولبس المسوح وترك أكل اللحم والامتناع عن المطاعم اللذيذة والملابس الفاخرة والمناكح والتعبّد في الغيران والرهبة المخافة مع الحزن والاضطراب ورهبان فعلان من رهب كخشيان من خشي .
وقرئ بضمّ الراء كالرهبان جمع راهب وركبان جمع راكب والرهبان لمّا كان اسما لطائفة مخصوصة صار بمنزلة العلم وإن كان جمعا في نفسه والتحقّق بالنصارى وأعراف فقيل : رهبانيّ كما يقال : أعرابيّ وأنصاريّ .
وسبب ابتداعها أنّ الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعد رفع عيسى عليه السّلام فقاتلوا حتّى لم يبق منهم إلَّا قليل فخافوا أن يفتتنوا في دينهم فاختاروا الرهبانيّة في قلل الجبال فارّين بدينهم مخلَّصين أنفسهم للعبادة منتظرين البعثة النبويّة الَّتي وعدها عيسى لهم كما قال تعالى : « وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُه ُ أَحْمَدُ » « 1 » .
وروي أنّ اللَّه لمّا أغرق فرعون وجنوده استأذن الَّذين كانوا آمنوا من السحرة موسى عليه السّلام في الرجوع إلى الأهل والمال بمصر فأذن لهم ودعا لهم فترهّبوا في رؤوس الجبال فكانوا أوّل من ترهّب وبقيت طائفة منهم مع موسى عليه السّلام حتّى توفّاه اللَّه ثمّ انقطعت الرهبانيّة بعدهم حتّى ابتدعها بعد ذلك أصحاب المسيح عليه السّلام .
* ( [ ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ ] ) * ما فرضنا الرهبانيّة عليهم في كتابهم ولا على لسان رسولهم * ( [ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّه ِ ] ) * استثناء منقطع أي ما رعوا جميعا حقّ رعايتها بسبب التثليث والقول بالاتّحاد والكفر بمحمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وعدم تصديق النبيّ العربيّ ونحوها قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : من آمن بي وصدّقنى فقد رعاها حقّ رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون .
هامش
( 1 ) الصف : 6 .