معاشر الخلق ما في السماوات من الأمور العلويّة من الشمس والقمر والنجوم والأمطار والثلوج وما في الأرض من الدوابّ والأشجار والنبات والأثمار والأنهار ومعنى تسخيرها لنا بأن خلقها بوضع يمكن انتفاعنا منها على الوجه المضبوط ولو أنّه تعالى أوقف أجرام السماوات والأرض في مقارّها وأحيازها ، أو كان يجعل الأرض من الذهب أو الفضّة أو الحديد ما كان يحصل منها الانتفاع لها وقوله : « جَمِيعاً مِنْه ُ » واقع موقع الحال أي كائنة هذه الأمور من عنده وحكمته وهو مسخّرها لخلقه أي كل ذلك منه تعالى .
* ( [ إِنَّ فِي ذلِكَ ] ) * أي فيما ذكر من النعم العظيمة * ( [ لآياتٍ ] ) * عظيمة الشأن * ( [ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ] ) * في بدائع صنع اللَّه تعالى .
ولمّا بيّن دلائل وحدته وقدرته أتبع ذلك بتعليم الأخلاق الفاضلة والأفعال الحميدة بقوله : * ( [ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّه ِ ] ) * أمرهم بالعفو عن الَّذين لا يتوقّعون وقائع اللَّه بأعدائه ، من قولهم لوقائع العرب : أيّام العرب مثل قولهم يوم حليم ويوم ذي قار وهذا الاصطلاح شائع في لسان العرب قال ابن عبّاس : المراد من قوله : « لا يَرْجُونَ أَيَّامَ » أي أيّام ثواب اللَّه ولا يخافون عقابه ولا يخشون مثل عقاب الأمم الماضية وقال أكثر المفسّرين : إنّ الآية منسوخة بآية السيف .
وحاصل المعنى العفو عن الَّذين نالوكم بالأذى والمكروه ولا يرجون ثوابه بالكفّ عنكم ومعنى « يَغْفِرُوا » تركوا مجازاتهم ولا يكافئوهم ليتولَّى اللَّه مجازاتهم . القميّ : قال :
يقول اللَّه لأئمّة الحقّ : لا تدعوا على أئمّة الجور حتّى يكون اللَّه هو الَّذي يعاقبهم . وعن الصادق عليه السّلام معنى الآية قل للَّذين آمنوا ومننّا عليهم بمعرفتنا أن يعرّفوا ويعلَّموا الَّذين لا يعلمون فإذا عرّفوهم فقد غفروا لهم .
* ( [ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ] ) * أي ليجزي اللَّه الصابر بسبب صبره وتحمّله والكافر بسبب إساءته وبيان الجزاء في قوله : * ( [ مَنْ عَمِلَ صالِحاً ] ) * أي طاعة وبرّا * ( [ فَلِنَفْسِه ِ ] ) * ويعود ثواب عمله عليه * ( [ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ] ) * أي وبال إساءته على نفسه * ( [ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ] ) * ويكون إليه رجوعكم يوم القيامة إلى حيث لا يملك أحد الإنفاع والإضرار والأمر والنهي غيره فيجازي كلَّا على قدر عمله .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 97
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٩٧