المعنى لمّا هدد الكفّار بقوله : « فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ » أردفه بما يقوّي قلب الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بقوله : * ( [ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا ] ) * أقسم وذكر لام القسم أي تقدّم في علم اللَّه وحكمه أنّ المرسلين * ( [ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ] ) * فبيّن أنّه سبحانه وعد نبيّه بنصرته والدليل عليه قوله تعالى : « كَتَبَ اللَّه ُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي » « 1 » وأيضا إنّ الخير مقتض بالذات والشرّ مقتض بالعرض وما بالذات أقوى ممّا بالعرض .
وأمّا النصرة والغلبة قد تكون بالحجّة وقد تكون بالاستيلاء والدولة وقد تكون بالدوام والثبات فالمؤمن وإن صار مغلوبا في بعض الأوقات بسبب أحوال الدنيا لكن مع ذلك فالحقّ بما هو حقّ غالب ولا يلزم أن يقال : فقد قتل بعض الأنبياء وقد ضعف وهزم كثير من المؤمنين فهم مع ذلك غالبون بالسعادة وهؤلاء مغلوبون بالشقاوة بسوء العاقبة .
ثمّ قال لنبيّه : * ( [ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ] ) * أي أعرض عن هؤلاء الكفّار * ( [ حَتَّى حِينٍ ] ) * نأمرك فيه بقتالهم أو إلى يوم الموت وانقضاء مدّة الامهال .
* ( [ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ] ) * أي أنظرهم فسوف يبصرون العذاب * ( [ أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ] ) * لأنّهم كانوا يقولون : متى هذا التهديد والوعيد الَّذي توعدنا به فأنزل اللَّه أفبعذابنا يطلبون العجلة ؟
* ( [ فَإِذا نَزَلَ ] ) * العذاب * ( [ بِساحَتِهِمْ ] ) * وبأفنية دورهم كما يستعجلون * ( [ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ ] ) * أي بئس الصباح صباح من يحذّر ولم يحذر . و « الساحة » معناه الدار وفناؤها وكانت العرب تفاجئ أعداءها بالغارات صباحا فخرج الكلام على عادتهم ولأنّ اللَّه أجرى العادة بتعذيب الأمم وقت الصباح كما قال : « إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ » .
* ( [ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ] ) * مرّ تفسيره وإنّما كرّر
هامش
( 1 ) المجادلة : 21 .