قرئ « أَصْطَفَى » بكسر الهمزة وبفتح الهمزة .
ثمّ عاد الكلام إلى الردّ على مشركي العرب فقال سبحانه :
* ( [ فَاسْتَفْتِهِمْ ] ) * أي سلهم واطلب الحكم منهم في هذه القصّة * ( [ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ] ) * أي كيف أضفتم البنات إلى اللَّه واخترتم لأنفسكم البنين وذلك لأنّهم كانوا يقولون : إنّ الملائكة بنات اللَّه على وجه الاصطفاء لا على وجه الولادة .
* ( [ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً ] ) * أي بل خلقنا الملائكة إناثا * ( [ وَهُمْ شاهِدُونَ ] ) * أي حاضرون أي كيف جعلوهم إناثا ولهم يشهدوا خلقهم والغرض من هذا البيان تبكيتهم على كفرهم حيث جعلوا البنات اللاتي هنّ أوضع الجنسين للَّه ولهم البنون الَّذين أرفع الجنسين .
ونقل الواحديّ عن المفسّرين أنّهم قالوا : إنّ قريشا وأجناس العرب قالوا :
الملائكة بنات اللَّه مع أنّهم كانوا يستنكفون من البنت والشيء الَّذي يستنكف منه المخلوق كيف يثبتونه للخالق على أنّ إثبات الولد للَّه كفر ثمّ كيف أضافوا الأنوثيّة للملائكة مع أنّ الملائكة من أشرف الخلائق وأبعدهم من صفات الأجسام ورذائل الطباع والأنوثة من أخسّ صفات الحيوان .
ثمّ أخبر سبحانه عن كذبهم فقال : * ( [ أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّه ُ ] ) * حين زعموا أنّ الملائكة بنات اللَّه * ( [ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ] ) * في قولهم : « أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ » دخلت همزة الاستفهام على همزة الوصل فسقطت همزة الوصل ومثله قول ذي الرّمة :
استحدث الركب عن أشياعهم خبرا
أم راجع القلب من أطرابه طرب
وحاصل المعنى كيف يختار اللَّه سبحانه الأدون على الأعلى مع كونه حكيما مالكا .
ثمّ وبّخهم فقال : * ( [ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ] ) * بهذا الحكم * ( [ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ] ) * وتتّعظون فتنتهون عن مثل هذا القول السخيف .
* ( [ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ ] ) * أي حجّة وبيّنة على ما تقولون وهذا كلَّه إنكار وردّ بصورة الاستفهام [ فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ] أي فأتوا بحجّتكم على هذا الاعتقاد